إبراهيم غرايبة

النشوء والارتقاء الـ"فيسبوكي"

تم نشره في السبت 29 نيسان / أبريل 2017. 12:08 صباحاً

هل يتطور فيسبوك بالنسبة للمدونين والناشطين والعاملين في فضائه؟ بالنسبة للمدونين لم يعد كما ابتدأوا به قبل سنوات، ليس لأن فيسبوك تغير لكن لأن المدونين أنفسهم تغيروا، فقد أصبح حوائط يضع عليها المدون أو معرضا كأنه مول عملاق يعرض فيه المدونون كما المؤسسات والشركات منتجاتهم، وتبين بسرعة أنه برغم أهميته وتأثيره فهو ليس مؤسسة خارقة تحقق للناس والناشطين والمسوقين أفكارهم وأهدافهم، وأنه ليس كافيا، رغم سعة انتشاره وتداوله، للنجاح والتأثير، ليس سوى نافذة إضافية لعرض المنتجات والأفكار، لكن هذه المعروضات يجب أن تعد وتقدم على النحو الذي يجعلها مقبولة ومؤثرة، وأنه لا غنى عن المؤسسات والقواعد والتكاليف التقليدية في الإنتاج والعمل، لا يفيد فيسبوك مؤسسة فاشلة ولا يحول عملا صحفيا أو فكريا ضعيفا إلى قوي ومهم.
لكن فيسبوك كان مفيدا، أو بدا مفيدا، لأولئك الذين لم يكونوا يملكون مجالا أو فضاء للتعبير والتأثير والمشاركة، وهؤلاء أيضا اكتشفوا (يجب أن يكتشفوا) أنه لم يكن كافيا امتلاك منصة لإسماع الرأي والصوت ومحاولة المشاركة والتأثير أن ينجحوا في ذلك بالفعل، بل يجب أن يبذلوا جهدا كبيرا في تقديم أفكارهم وتطويرها ومحاولة إيصالها إلى المستفيدين الفعليين والحقيقيين، وأن يتأكدوا أنها تنشئ الأثر المطلوب أو هي تسير في هذا الاتجاه. فيسبوك فضاء جميل وضروري ومبدع لكن ذلك لا يكفي!
يمكن تقدير مسار التدوين والمشاركة في فيسبوك كما يلي: ينشئ المدون صفحته، ويطلب الصداقات، ويقبل ما يعرض عليه، لكنه يجد أنه محاط بأصدقاء يغلب عليهم أنهم لا يهمونه ولا يهمهم وأن كل واحد يغني على ليلاه، فالصداقات وعرضها وطلبها مليئة بالمتسولين والمتطفلين والمتخلفين والمزعجين. ويتقدم في حوار على الخاص مع الأصدقاء المفترضين، ويشارك في المجموعات ويعلق على المدونات ويرد على الرسائل والتعليقات ويقدم الإعجابات. وتتشكل مخططات وأحلام للنجاح والتأثير والمشاركة السياسية والفكرية والانتخابية، والتجارية أيضا.
لكن، وبسرعة يدخل المدونون (أفرادا ومؤسسات) في مرحلة من النكوص والإحباط. لم تكن العملية بالسهولة والتلقائية التي تبدو فيها للوهلة الأولى، هي عملية إعلامية وفكرية وتسويقية لا تختلف جوهريا عن عمل المؤسسات الصحفية والفكرية والتجارية، .. المؤسسات ليست مكاتب.
ويتقدم الجادون والمهتمون في خطوة جديدة من النشوء والارتقاء، وهؤلاء لا يزيدون على 5 في المائة من المدونين الأفراد، أما المؤسسات فتجد أنها في حاجة إلى كادر من المتفرغين المبدعين أو أن يقودهم مبدعون، عمليات التدوين ليست مجرد إدخال بيانات!
ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويميز الفيسبوكيون (أفرادا ومؤسسات) بين الحقيقة والوهم وبين الواقع والخيال، تغير العناوين والإعدادات، وتحذف كل الأسماء الوهمية وأصحاب وصاحبات الصور الجميلة والمجموعات "الحلمنتيشية"، وتلاحق بالحظر جماعات المزرعة السعيدة والألعاب والأبطال والنرجسيين والمقاومة والإفتاء والدعوة والمعارضات، ما يزيد عن الواقع المتقبل، وتكتشف سريعا أنه لا يمكن في فيسبوك أن تكون أكثر معارضة أو تدينا او مقاومة من الواقع خارج فضاء الشبكة، وما كان في الشبكة زيادة عما هو خارجها فليس سوى فشل أو مرض عقلي!
وتخصص جزءا كبيرا من العطلة والفراغ في عمليات تطهير واسعة لمدونات ومجموعات مستمدة من الانتقام الشخصي والشعوذة والبيع البديل للإشارات الضوئية والاعلانات التجارية والسياسية والأدعية والمأثورات والصور السيلفي للحراكيين والمهاجرين والمسافرين والمشتاقين والناصحين والوعاظ والنرجسيين والساديين والسيكوباثيين والشتّامين والذين يحسبون أنفسهم شعراء وأدباء وعروض الصداقة والحب وأصدقاء المشاهير ومعجبيهم وعشاقهم ومؤيدي ومعارضي الأنظمة السياسية والحكومات والمسؤولين والمديرين والأمناء العامين والباحثين والأساتذة والإعلاميين، .. المشاهير أكثر من المواطنين!
ثم تقلل وترشد من استخدامك محاولا أن تجعل الوقت المخصص فعالا وحتى لا تهدر وقتك وجهدك وعينيك، فتشغل نفسك بعملك الحقيقي والمنتج ورسالتك التي تؤمن بها، .. لكن لا تغلق صفحتك أبدا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الفيسبوك (محمد الوهمي)

    السبت 29 نيسان / أبريل 2017.
    ان الفيسبوك ما هو الا انعكاس لحقيقة وطبيعة النفس البشرية بصورة عامة، ومستوى وعمق الثقافة والمعرفة في مجتمع ما بصفة خاصة .
    ان الصدمة الناتجة عن معرفة حجم والضحالة الفكرية في شريحة كبيرة من افراد مجتمعنا محزنة.