بين التبجيل والتخوين

تم نشره في السبت 29 نيسان / أبريل 2017. 12:03 صباحاً

يحيي فلسطينيو 48 يوم الثلاثاء المقبل، الذكرى 69 للنكبة؛ ليس استباقا لغيرهم، وإنما من باب معارك التحدي التي يخوضونها في مواجهتهم المباشرة للصهيونية، بحيث يكون احياء الذكرى في ذات اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل "ذكرى قيامها"، وفق التقويم العبري، ليكون تحت شعار: "يوم استقلالهم يوم نكبتنا". ودائما ما نلمس تقديرا عاليا جدا من باقي أجزاء الشعب الفلسطيني لدورنا داخل الوطن، رغم أنه ليس كل ما لدينا يلمع. ومن ناحية أخرى، عادت لتظهر من جديد نغمات التخوين، من قلة قليلة، تمارس "رياضة التخوين" لكل جهة سواها، لإثبات "ثورجيتها".
فيوم الثلاثاء، ستجري المسيرة المركزية الوحدوية الـ 20، نحو واحدة من القرى الفلسطينية المدمّرة في النكبة، وهذه العام إلى قرية الكابري، القريبة من مدينة عكا. فقبل هذا، درجَ المهجّرون في وطنهم وأبناؤهم وأحفادهم، جيلا بعد جيل، على زيارة أطلال قراهم، في مثل هذا اليوم. وفي العام 1998 بادرت "لجنة الدفاع عن حقوق المهجّرين في وطنهم"، الى اجراء هذه المسيرة الوحدوية في ساعات بعد الظهر، بعد زيارات للقرى المدمّرة، كتعبير عن التمسك الجماعي العام، بحق عودة اللاجئين.
وهذه مناسبة لنؤكد مجددا على أن وجودنا، نحن قرابة مليون ونصف المليون فلسطيني في وطننا، ليس أمرا مفروغا منه، وليس بمكارم من الحركة الصهيونية، بل رغما عنها. ولولا النضال بأشكاله المتعددة، الذي انطلق منذ العام 1948 وحتى يومنا، لما كنا حيث نحن الآن. وهذه حقيقة يعرفها ويقدّرها السواد الأعظم من أبناء الشعب الفلسطيني، وأيضا من الشعوب العربية. وبشكل دائم، نسمع الكثير من عبارات التقدير والتي تصل الى حد التبجيل. ولكن هذه فرصة لنقول، إنه ليس كل شيء عندنا يلمع.
فالمعركة التي نخوضها ضد النظام الصهيوني، توازيها معركة أيضا ضد من اختاروا لأنفسهم أن يكونوا أتباع النظام ووكلاءه، بأنماط وأشكال متعددة. ولكن في العقود الثلاثة الأخيرة بالذات، تجد مِن هؤلاء مَن يفلسف تصهينه، وخروجه عن المسار الوطني، داعيا الى الغرق في "الدولة ومناعمها".
فها نحن بآلافنا المؤلفة سنتدفق يوم الثلاثاء إلى القرى المدمّرة، ليكون مشهدا يشحننا بطاقات أكثر للمستقبل. وقبل هذا المشهد بمساء، سيقف طبيب عربي، اشتهر بتخصصه بجراحة الكبد، ليكون ضمن المشهد النقيض، في الاحتفال المركزي لإسرائيل، ويشعل واحدة من 12 شعلة، كتعبير عما يسمى "أسباط إسرائيل". وسيتلو كلمات يكتبونها له، ثم يصرخ بأعلى صوته "لفخرك يا دولة إسرائيل". وهذا المشهد المقزز، بتنا نراه سنويا منذ بضع سنوات، من نفر تجرد من كل حسّ انساني تجاه شعبه، وحتى تجاه نفسه؛ ليزحفوا على بطونهم نحو الصهيونية. لذا، فإن معركة الحفاظ على الهوية والانتماء، نراها أشد، حينما تكون ضد محاولات التسلل الى مجتمعنا، بأشكال مختلفة.
ومرّة ثانية أقول، ليس كل شيء عندنا يلمع، وهذا طبيعي لمجتمع طبيعي، خصوصا في الظروف التي نعيشها، إذ لا يمكن أن نكون 100 % بذات التوجه؛ ولكن التوجه الوطني هو السواد الأعظم جدا، إلا أنه في الآونة الأخيرة، عادت من جديد تلك النغمات التي كنا نسمع عنها في عقود سابقة، بتخوين من بقوا على أرض وطنهم وتشبثوا به، ويسموننا بتلك التسمية النكراء: "عرب إسرائيل". ويبلغ الهوس المنفلت عندهم، حينما يعتبرون التواصل معنا "تطبيعا"، لمجرد أننا نحمل الهوية وجواز السفر الإسرائيليين. وهذا أمر لا يجوز التنازل عنه، لأنه يعني التنازل عن الوجود في الوطن. ونحن نخوض السياسة حتى في عقر دار الصهيونية، في برلمانها، لأنه بالنسبة لنا ساحة المعركة الأكثر مباشرة في مواجهة الصهيونية، ولا يمكننا التنازل عن أي بقعة ومجال بالإمكان أن تواجه فيه الصهيونية بإرهابها وعنصريتها وشراستها. ونحن ندفع أثمانا ليست سهلة كي نبقى. ونخوض معارك يومية من أجل حقوقنا المدنية اليومية، الى جانب المعركة الاساس: من أجل الدولة والحرية.
والأنكى من هذا، هو أن هذا النفر يختار ممارسة "رياضة التخوين" لحظة بلحظة، ضد كل من هو مختلف عنه، اثباتا "لثورجيته" القصوى، دون أن يعلم أنه يلعب راتعا في ملاعب الصهيونية، التي ما تزال تتمنى، وتعمل لاقتلاع حتى آخر واحد منا، أو أن تفصلنا عن شعبنا، وتغرقنا في مشروعها منزوعين عن هويتنا وانتمائنا.  

التعليق