البرغوثي يوقع ‘‘الحب غابة أم حديقة؟‘‘ في ‘‘منتدى شومان‎‘‘

تم نشره في الأربعاء 10 أيار / مايو 2017. 12:08 صباحاً
  • الشاعران مريد البرغوثي (يمين) وزهير أبو شايب في "منتدى شومان" أول من أمس - (الغد)

عزيزة علي

عمان- في أجواء يغمرها الشعر والحب وقع الشاعر العربي الفلسطيني مريد البرغوثي ديوانه الشعري الجديد "الحب غابة أم حديقة؟"، الصادر عن دار الشروق، القاهرة، أول من أمس في منتدى عبد الحميد شومان، حيث طاف بالجمهور في جماليات صوره الشعرية واللغة الطافحة بالحياة وتفاصيلها اليومية.
ولفت البرغوثي، في الحفل الذي أداره الشاعر زهير ابو شايب، إلى أن الحب ليس موضوعا يعتذر عنه مهما بلغ الاضطراب خارجنا، فالحب يظل في صلب حياتنا.
وقرأ صاحب "رأيت رام الله" قرأ قصيدة بعنوان "اشتهاء"، قال فيها:
"حزامه الجلدي/ معلق على الجدار
حذاؤه المتروك صار يابسا،
قمصانه الصيفية البيضاء لم تزل تنام فوق رفها،
أوراقه المبعثرة
 قالت لها: سيمعن الغياب/ لكنها هناك لم تزل على انتظار
ولم يزل معلقا حزامه الجلدي
وكلما مضى النهار/تحسست خاصرة عارية
واستندت إلى الجدار".
وقرأ الشاعر العديد من قصائده التي تضمنها الكتاب، ومنها قصيدة بعنوان "غمزة"، وهي تتحدث عن ذلك الولد الذي تغمره النشوة من جراء غمزة من فتاة في العرس، فجن الوَلَدْ. تقول القصيدة:
"غمزةٌ مِن عينها في العرسِ/و"انْجَنَّ الوَلَدْ"
وكأنّ الأهلَ والليلَ
واكتافَ الشباب المستعيذينَ مِن الآحزانِ بالدبكةِ
والعمّاتِ والخالاتِ والمختارَ
صاروا لا أَحَدْ
وَحْدَهُ اللَّوّيحُ
في منديله يرتجُّ كلُّ الليلِ
والبنتُ التي خَصَّتْهُ بالضَّوْءِ المُصَفّى
أصبحتْ كلَّ البَلَدْ".
وقرأ أيذا قصيدة بعنوان "الحب"، وفيها يوضح الفرق بين الحب في القصائد والحب في الحياة. تقول القصيدة في أحد مقاطعها:
"الحب في قصائد الإنشاء،
غرور فارس يسير في طريقه
لفتح أرض السند
يكون سيدا على خيوله.. وسيدا على سرير هند
الحب في قصائد الإنشاء كذبة كذبة.
ومثله كتابة الأمجاد والأوطان والتاريخ والحروب
والمواجع التي نكابد
وكلها..
كالحب في الحياة غير الحب في القصائد".
وقرأ قصيدة بعنوان "ليل وعنب"، وفي مقاطع من القصيدة يقول:
"ليل مكتنز كالعنب الأسمر/ يتشيطن فينا، نحن الاثنين
وسكوتك يصغي لسكوتي.
المكر الناعم يشملنا بلطائفه
فكأنا لا نلقي للرغبة وهي تعذبنا/وتطل من الحيرة في أيدينا
وحياء العينين وفرزات الشفتين.
نحلات نوايانا لسعتها
بين أصابعنا الخجلي/فتصير النظرات يدين".
ثم قرأ قصيدة بعنوان "العشاء"، يقول فيها:
"بنعومة ورفق،
مر بأصابعه على خدها،
وقدم لها القرنفلة.
الشمعة تبعث ضوءا طازجا.
عازف البيانو
يعزف سوناتا لشوبان.
الهواء له رعشة يخالطها سكون.
قبلته على وجنته
احتضنت يديه بيديها
أحضر النادل العشاء"
ولم تغب رضوى عاشور الحبيبة والزوجة التي رحلت وتركت فراغا كبيرا في عالم الشاعر الذي يقول في قصيدة بعنوان "رضوى":
"على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
تحاول رضوى نسيجاً
وفي بالها كلُّ لونٍ بهيجٍ
وفي بالها أُمّةٌ طال فيها الحِدادْ.
على نَوْلِها في مساءِ البلادْ
وفي بالها أزرقٌ لهَبِيُّ الحوافِّ.. وما يمزج البرتقال الغروبيّ
بالتركواز الكريمِ
وفي بالها وردةٌ تستطيع الكلامَ.. عن الأرجوان الجريحِ.. وفي بالها أبيضٌ أبيضٌ كحنان الضِّمادْ.".
وقرأ قصيدة أخرى لرضوى بعنوان "أنت وأنا"، يقول فيها:
"أنتِ جميلة كوطن محرر/ وأنا متعب كوطن محتل/ أنتِ حزينة كمخذول يقاوم/ وأنا مستنهض كحرب وشيكة/ أنتِ مشتهاة كتوقف الغارة/ وأنا مخلوع القلب كالباحث بين الأنقاض/ أنتِ جسورة كطيار يتدرب/ وأنا فخور كجدته/ أنتِ ملهوفة كوالد المريض/ وأنا هادىء كممرضة/ أنتِ حنونة كالرذاذ/ وأنا أحتاجك لأنمو/ كلانا جامح كالانتقام/ كلانا وديع كالعفو/ أنت قوية كأعمدة المحكمة/ وأنا دهش كمغبون/ وكلما التقينا/ تحدثنا بلا توقف، كمحامييْن/ عن العالم".
وكان الشاعر زهير أبو شاييب الذي أدار الحفل، قال إن البرغوثي ككل شاعر كبير، تسبقه قصائده إلى المتلقي، ولا يحتاج إلى من يقف بينه وبين جمهوره الذي يعرفه. لكنه – ككل شاعر كبيرة أيضا- لا يتوقف عن النمو، ولا تتوقف ملامحة عن التجدد والاختلاف والتكافل. وذلك ما يقتضي أحيانا بعض الوساطة والتوضيح الذي لا يعيق.
ورأى ابو شايب أن البرغوثي منذ بداياته الأولى كان مختلفا، وكان يبحث في المعيش واليومي وفي كلام الناس ومفرداتهم وإيقاعات حياتهم عما يطعم به لغته وكتابته لينقذها من الاغتراب والتعالي والانفصال عن واقعه وموضوعاته، وظل طيلة ما يقرب من نصف قرن من الزمان حريصا على أن تحافظ قصيدته على رشاقتها وخفتها بقدر ما تحافظ على رصانتها والتزامها بمعيار جمالي صارم لا تتنازل عنه، وبموقف ثابت منحاز لا تتخلى فيه عن دورها قي قراءة العالم ورغبتها في تحويره ومحاورته.
وأشار إلى أنه حينما يقرأ نصا جديدا للبرغوثي، يقوم بالبحث عن مذاقه الريفي. فالقصيدة عنده هي "حق المسك الذي اضاف الشاعر إليه ما قطره من روائح الريف الفلسطيني ونكهاته اللاذعة"، وفهي ملأى بالدبكة والفخاخ ومفردات الطبيعة والكلام البري الموضوع في مكانه دون أي تضارب مع ميزان القول، مثلما أنها ملأى بالحكمة الناجمة عن الاختلاط بالعالم والانغماس العميق فيه لا الانفصال عنه.. تلك الحكمة الحريصة على مادة العالم اكثر من حرصها على معناه المجرد.
ونوه ابو شايب إلى إحدى قصائده البرغوثي التي يقول فيها:
"وأود لو أني أهاجر
من قرى
وقعت تباعا في فخاخ عدوها
وتفننت في كره لذتها
وغيرت المعاني".
وبين أن الشاعر في هذه القصيدة "يود لو يغادر تلك القرى، وهو الذي غادرها منذ نصف قرن، لكنها ما تزال تسكنه، وما تزال تسكن لغته، وتمنحه ملامحه ومذاقاته، لافتا إلى أنه ومع أن الشاعر ينقد الحالة القروية التي غيرت المعنى وحولت لذة الوجود إلى ألم وهزيمة، فإنه استر لوجهها الآخر المشرق المترع بالخفة والفرح وحب الحياة.

التعليق