نادر رنتيسي

خدوش المعارك الخاسرة

تم نشره في الجمعة 12 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

الفضوليّون يسألون عن سرِّ اختفائي. منذ عامين لم يروني أجلسُ كالقشِّ على الكرسيِّ الخشبيِّ في مقهى “البلادة”، مكتئباً، منسياً، وحيداً مثل آخر حصاة في جرن الحزن. نعم فقد تبخَّرتُ كبركة سراب، ربَّما، أو اختفيتُ كالظلِّ في العتمة، وذبتُ كحجر الملح في قِدر الماء الحلو، أو لعلِّي كنتُ لقمة سهلة لأرض تشهَّت زوائدها اللحمية.
أنا هناك في المساحة النائية التي لا تصلها حوادث السير، ولا تجرحها مباضع وزارة الأشغال، أنتظِرُ تقدُّمَ العِلم خطوتين، ثلاثاً، أو أربع إنْ كان من الخير أن يتأخر قدوم اليوم الذي أستطيع فيه الذهاب إلى “هايبر ماركت” لاستبدال جينات جدي الرابع، بأخرى يقتطعها البائع لي من خريطة عائلة “كلوني” أو “كفوري”. أنا هناك ولا يقلقني إلاَّ أن أنتظر ما أنتظره “الأولين” حتى تُلتقط للجنين في بطن صورة ملوَّنة، ويخسر باب الغيب مفتاحاً.
.. وأنتظر قدوم زمن من علبة الغيب، يمكنني فيه أن أخلع عُقدي النفسيَّة كالملابس، وأكتَّ عن كتفي الأحدب أحزاناً ليلية، عندما أخرجُ ولا أعودُ من وإلى برج السرطان النكِدْ، وأخلع من بطاقتي اسمه المشؤوم الذي يعدني بتشابه الأسماء في المعدة، في الرابعة والخمسين تماماً، وأنْ أقدِّمَ طلب انتساب لا يقبل الرفض إلى برج العذراء، فأعود بريئاً كإغماضة امرأة في الحبِّ الأول، سليماً خالياً من خدوش المعارك الخاسرة والثغرات المصنعيَّة.
في قناة الغيب أنتظر، أنْ تساعدني تكنولوجيا ما بعد الحديثة بأنْ تكون لي امرأة أشكِّلُها كما في أغنيات الفصحى والشِّعر العاميِّ، فـ”عيناها سبحان المعبود” و”ضحكتْها بتهزِّ الشجر والحجر”، وأختارها بعد أن يضع القضاء في طرقي الفرعية كلَّ النساء اللواتي اقترحهنَّ القدر للزواج: أنتقيها ثم أجري لها تعديلات تتعلق باستبدال المزاج المائيِّ بالترابيِّ، وتحسين شروط الهيئة الزوجية، على أنْ أخضعَ مقابلها لـ”الفحص الفنيِّ” الشامل، وأستجيبَ بعقل رياضي لتوصيات خبراء الترخيص!
أتوارى خجلاً من حالتي الفنية، يبدو أنني لن أستطيع استكمال الحياة بـ”الحالة المصنعية” الأولى، كلُّ ما أفعله أنني أقلِّب المحطات في عتمة أفتعلها لأطلع بتركيز سينمائي على نماذج الرجال “الفنية”، وأختبر في خيال تقنيٍّ لا محدود صورتي في برنامج “الفوتشوب”، وأحلم أن تزيد التكنولوجيا ما بعد الحديثة من قامتي مقدار كعب حذاء نسائي طموح، وأن تغيِّرَ لون الجلد (أريد درجة نقاء لا يلحظ فيها المشاهد تفاوتاً عرقياً إن وقفتُ بجانب نيكول كيدمان في صورة زوجية للاستعمال السينمائي)!
كالقشِّ على الكرسيِّ الخشبيِّ في مقهى “البلادة”، أجلسُ مكتئباً، منسياً، وحيداً مثل آخر حصاة في جرن الحزن، أنتظر ما قد يأتي، وليس الأمر ببعيد، خطوة أو خطوتين، ثلاثاً أو أربع، ويصير بإمكاني أن أذهب إلى متجر على الطريق الصحراوي لشراء خريطة الأيام المقبلة، أضعها في سيارتي ونمرُّ من الأرض التي لم تجرحها مباضع وزارة الأشغال، وأفاضلُ بين خمسين احتمالاً عند عبور الشارع الذي من مسرب واحد: وأختارُ واحداً منها.. مُخيَّراً.

التعليق