علاء الدين أبو زينة

عن فكرة الاستقلال ..!

تم نشره في الأربعاء 24 أيار / مايو 2017. 11:07 مـساءً

يبدأ فهم الاستقلال من أبسط تعريفاته؛ أنه "حالة أمة، أو دولة، أو ولاية، يمارس مواطنوها وسكانها –أو جزء منهم- حكم أنفسهم بأنفسهم، ويتمتعون عادة بالسيادة على أرض". وبالنسبة للبلدان التي عانت من الاستعمارات، يشكل رحيل قوات الاحتلال وإدارته النقطة الحاسمة والأولى في أي حديث عن الاستقلال من الأساس.
لكن التخلص من الوجود الفيزيائي للقوة الاستعمارية هو مستوى واحد فقط –ولو أنه الأهم- من مستويات بنية الاستقلال المركبة. فالاستقلال يُعرَّف أيضاً بأنه "التحرر من السيطرة، والتأثير، والنفوذ، والدعم، والمساعدات وما شابه، التي يقدمها آخرون". والصلة واضحة قطعاً بين "السيادة" و"حكم الذات" وبين تحقيق هذه المستويات من الاستقلال. ويستطيع المرء أن يفكر في فوارق أساسية بين الاستقلال، بالمعنى الأساسي، وبين "الحرية"، و"السعادة" اللتين تشكلان الهدف النهائي لكل فعلٍ أو حالةٍ إيجابية.
هناك دول وكيانات كبيرة جداً، غنية جداً، و"مستقلة" بمعنى تخلصها من الاستعمارات المباشرة، لكنها لا تعطي الانطباع بأنها مستقلة وحرة فعلاً، بالقياس إلى مدى حريتها في اتخاذ قراراتها، ورشاد حكمها، وحجم الاستقلال والحرية اللذين يتمتع بهما مواطنوها. ففي نهاية المطاف، يمكن قياس الاستقلال كَميّاً باعتباره حاصل جمع "استقلالات" الأفراد في المجتمع المعنيّ.
في موضوع استقلال الفرد، صادفتُ شيئاً على الإنترنت، يُسمى "مشروع السيادة الفردية"، والذي يقترح مصمموه التوقيع على مسوَّدة وثيقة "إعلان استقلال الفرد". ونص الوثيقة طويل نسبياً ومثير للاهتمام، لكن مما جاء فيها أنه "باعتباري إنساناً، فإنني فرد، منفصل أساساً عن أي إنسان آخر بعقل مختلف بفرادة... وأحد تداعيات فرادتي هو أن لا تكون قدراتي العقلية والنفسية المتعلقة بالتفكير، والتقييم، والاختيار والعمل، بأي درجة يعتد بها تحت سيطرة أحد سوى نفسي، باعتباري سيد نفسي". لكن الوثيقة تقترح أيضاً ارتباط الفرد مع الآخرين في "عقد اجتماعي" يحدد العلاقات بين الأفراد المتمتعين بالسيادة الفردية، في إطار من التعاون الذي لا يلغي هذه السيادة.
من الطبيعي التفكير بأن الشاب العاطل عن العمل مثلاً، والمعتمد (عكس المستقل) على أحد آخر في عيشه الأساسي، لا يستطيع أن يشعر بماهية الاستقلال، على المستوى الشخصي أو الوطني. إن قراره واختياراته ومساراته ستكون مرهونة لآخرين بحيث يضيع عليه إدراك النفع في عدم وجود احتلال في بلده بحيث يحتفل بإخلاص بـ"الاستقلال" كمناسبة تاريخية. وبالمثل، سيغيب مفهوم الاستقلال كفكرة إيجابية، عن بال الفرد الذي يعيش مع مجموعة من الضغوط والقيود التي تجعل حيّزه ضيقاً كثيراً ومُحتلاً تماماً. وتتراوح هذه القيود بين الضغط المادي، والاجتماعي، والسياسي، التي تتصل بفكرة "الاستقلال" وجوهره بعلاقة عكسية.
بذلك، ربما ينبغي أن يُفهم الاستقلال على أنه سيرورة وليس مُعطى في لحظة تاريخية؛ على أنه كفاح مستمر، غايته النهائية تحقيق أكبر قدر من السعادة للأفراد. وتتحدث الوثيقة المذكورة لاستقلال الفرد عن شيء تسميه "الحاجات الاجتماعية العليا"، والتي تعرِّفها بأنها "خصائص بيئة التفاعلات البَينية داخل المجتمع، والتي تكون مشتركة بين جميع الأعضاء، وتسهِّل تحقيق أعلى مستوى ممكن من السعادة مدى الحياة لكل واحد من الأفراد". وقد يكون هذا أحد تعريفات "العقد الاجتماعي" الأساسي لتجسيد فكرة الاستقلال. وينسجم هذا الفهم للعلاقة بين استقلال الأمة واستقلال الفرد مع وثيقة تاريخية مهمة، هي مسودة "وثيقة إعلان الاستقلال" الأميركي التي وضعها توماس جيفرسون في العام 1826، التي توصف بأنها "واحد من العروض السامية للحرية الفردية والوطنية" –بمعنى حتمية الصلة بين استقلال الفرد والاستقلال الوطني في أي حديث عن الاستقلال.
بينما نتأمل منجزات الأردن الكبيرة في مسيرة واحد وسبعين عاماً منذ استقلاله، يحق لنا أن نفتخر بحجم الإنجاز الذي يستحق الإعجاب، قياساً إلى الإمكانيات وقصر الفترة. فالأردنيون يتمتعون بقدر جيد من الحريات الفردية والتقدم الاجتماعي والمادي مقارنة ببعض كيانات المنطقة وبيئاتها الاجتماعية المقيدة. لكن أمامنا في الأردن طريقاً طويلاً لنقطعه، نحو الاستقلال الاقتصادي والتخلص من الاعتمادية والاستغناء عن أكبر قدر من معونة الآخرين وتأثيرهم. وتتطلب صيانة الاستقلال الوطني وتعزيزه الانتباه المتعاطف إلى استقلال الأفراد ومراعاة احتياجاتهم، في إطار من الوحدة الكلية التي تستثمر كل الطاقات، على أساس عقد اجتماعي تقدمي، منصف وواضح وملزم للجميع. علّ هذه الأفكار تكون حاضرة في التفاعل مع مناسبة الاستقلال العزيزة.

التعليق