خطة حفز النمو الاقتصادي

تم نشره في الأحد 28 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً

محمد عاكف الزعبي

بعد نحو 10 اشهر على تشكيله، خرج مجلس السياسات الاقتصادية بخطة اقتصادية طموحة، تتكون من 19 محورا، وتسعى إلى مضاعفة معدلات النمو الاقتصادي خلال الخمس سنوات المقبلة عبر النهوض بعدد من القطاعات الاقتصادية مثل الصناعة والسياحة والطاقة والمياه والتعليم والصحة.
طموح الخطة هو أضعف حلقة من حلقاتها. فهي طموحة أكثر مما ينبغي، إلى الحد الذي يجعلها غير قابلة للتطبيق. وهي تذكرنا مجددا بالفجوة الكبيرة بين إمكانياتنا وتطلعاتنا. الخطة المطروحة تسعى إلى دفع عجلة النمو الاقتصادي عبر النهوض بجميع قطاعاته. وهي بتوسعها لتشمل القطاعات كافة تعود إلى ذهنية "اقتصاد كل شيء"، التي لا تفاضل بين القطاعات الاقتصادية ولا تميز بينها ولا تؤمن بفكرة الميزة التنافسية وقدرة القطاعات على المنافسة في الأسواق العالمية.
وحتى لو سلمنا جدلا بضرورة تحفيز كافة القطاعات الاقتصادية، فإن الخطة بشموليتها واتساعها تتجاهل عائقا كبيرا لطالما وقف بيننا وبين طموحتنا وهو الجهاز الحكومي المترهل، والذي يعاني نقصا في الكفاءات والخبرات اللازمة لرسم البرامج ووضعها حيز التنفيذ.
يخطئ القارئ إذا اعتقد أنني ادعو الى الاستسلام للواقع وترك الأمور على حالها. لكنني أدعو إلى أن تكون برامجنا أكثر تصالحا مع الواقع وانسجاما مع ما هو متاح من إمكانيات، لأن بناء الخطط بمعزل عن الواقع والمحددات
الموضوعية هو بمثابة الحكم عليها بأن تبقى حبيسة الورق الذي كتبت عليه. ففي ضوء ضعف الإمكانيات والخبرات كان باستطاعة مجلس السياسات أن يقصر خطته على قطاع اقتصادي واحد أو قطاعين فقط، أو عدد محدود من المبادرات والمشاريع في قطاعات يتم تحديدها بعناية وفقا للمعايير التي ذكرتها في المفاضلة بين القطاعات المختلفة. في ظل إشراف من قبل جمع من الخبراء وأصحاب الاختصاص وجميع الأطراف ذات العلاقة (stakeholders)، ويتم وضع برنامج واضح المعالم بأهداف وخطط عمل محددة وأطر زمنية دقيقة وآليات لتقييم الأداء.
ميزة هذا المقترح أنه يقلل من عدد الجهات ذات العلاقة. وهذا بدوره يحقق غرضين رئيسيين: أولا: انه يتيح للمجلس، أو أي جهاز رقابي ينبثق عنه، أن يجمع كافة الأطراف ذات العلاقة على طاولة واحدة، فيسهل حينئذ تحديد مواطن الضعف ونقاط الانسداد، ويحول، وهذا يقودنا الى ثانيا، دون ضياع المسؤولية بين الجهات المختلفة على غرار ما يحصل دائما في إدارتنا للخطط والأزمات على حد سواء.
ألا تذكرون عاصفة اليكسا الثلجية وكيف تحولت إلى حرب تراشق للمسؤوليات. كل جهة ترمي بالمسؤولية على غيرها حتى اختلط علينا المشهد، فلم نعد نعلم من هو المقصر ليتسنى محاسبته؟ فكيف إذا تعلق الأمر بخطة وطنية شاملة ومتشعبة تشارك فيها الدولة بجميع مؤسساتها؟ سوف توفر تشعبات الخطة وتداخلاتها ستارا منيعا يختبئ المسؤولون خلفه، ولن تلبث أن تضيع المسؤولية وتنشغل المؤسسات بكيل الاتهامات لبعضها البعض فيتعطل العمل وتفقد الخطة زخمها وتلاقي المصير نفسه الذي لاقته سابقاتها.
الخطة كما هي مطروحة الآن جميلة وطموحة، لكن ما قيمة الجمال والطموح إذا كانت الخطة غير قابلة للتطبيق. المطلوب من المجلس قبل كل شيء أن يكسب المصداقية (مصداقية الانجاز) وهذا يتطلب منه أن يترجم خططه إلى واقع يلمسه الناس، وذلك لن يتحقق إلا إذا كانت الخطط واقعية محدودة النطاق وقابلة للتطبيق.
الفرصة ماتزال متاحة أمام مجلس السياسات الاقتصادية لتضييق نطاق العمل وقصره على قطاع أو اثنين أو ربما على مجموعة من المشاريع لا يتجاوز عددها العشرة. فاذا كتب له النجاح صار باستطاعته أن يعمم التجربة على باقي
القطاعات متسلحا بالخبرة التي اكتسبها والتجربة التي نهلها في رسم الخطط وتنفيذها.

التعليق