ماجد توبة

ألفُ سؤال وسؤال!

تم نشره في الاثنين 29 أيار / مايو 2017. 12:04 صباحاً

من يمثلني كعربي ومسلم؟ الأميركيان المسيحيان اللذان قُتلا الجمعة وهما يدافعان عن فتاة محجبة في ولاية أوريجون بوجه متطرف حاول الاعتداء عليها؟ أم القاتل العربي المسلم الذي استباح دماء المحتفلين بمانشستر البريطانية الأسبوع الماضي، فقتل نحو 20 شخصا بينهم أطفال؟ أو هم أولئك القتلة الذين أراقوا دماء زهاء 30 مصريا لأنهم أقباط مسيحيون؟
وأتساءل ايضا: من يمثلني حقا؛ ذاك البوذي الذي يساعد فقراء حي منبوذ في أقاصي الهند أو الصين، أم "داعية" إسلامي يدعو من على المنابر "أن أحصهم عددا وفرقهم بددا ولا تغادر منهم أحدا"؟ من يمثّلني كمسلم وعربي وإنسان؛ عالم فرنسي يخترع علاجا لمرض، أم عربي مسلم يقتحم ملعبا لكرة القدم ليفجر نفسه ببشر مسالمين باسمي وباسم ديني وقضيتي؟!
ومن يمثل إنسانيتي وديني؛ عامل بولندي يعمل في مصنع بمدينته الصغيرة 8 ساعات في اليوم لإعالة أسرته وتوفير حياة كريمة لها، أم قاتل من طائفتي، متسربل بالتعصب والتخلف وعمى البصيرة، يقتحم سوق الكرادة في العراق ليفجر نفسه بالمتسوقين من الطائفة الأخرى، نساء ورجالا وأطفالا؟!
ألف سؤال وسؤال ينهال كل يوم، وأنت تتابع شريط الدماء والتعصب والتطرف الذي يضرب يمينا وشمالا، باسمنا وباسم ديننا وقضيتنا ومظلومياتنا، فيما ينشغل البعض بالبحث عن تفسيرات وتبريرات تراثية وثقافية، وأخرى سياسية واقتصادية واجتماعية لقراءة ظاهرة الإرهاب والتطرف، لتستمر حلقة الجدل البيزنطي التي لا تنتهي أمام ما يهدر من إنسانيتنا وقيمنا، وباسمنا للأسف.
كم يثيرك ويستفزك من يخرجون عليك بإدانة تلك الجرائم باعتبارها "لا تمثلنا ولا تمثل ديننا"، قبل أن يستدركوا بـ"لكن"، التي تنسف كل إداناتهم ورفضهم لما سال من دماء، حيث يعودون إلى حلقاتهم ومنابرهم، ليبرّروا للقتلة، مستندين لآيات كريمة أو أحاديث شريفة بعد أن يخرجوها من سياقاتها: "اقتلوهم حيث ثقفتموهم"، "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم"، ويتناسون: "لا إكراه في الدين"، و"لكم دينكم ولي دين"، "ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم".
قد يكون السؤال بل يجب أن يكون، أمامنا جميعا، بهذه البساطة؛ من الذي يمثّل إنسانيتي وديني وقيمي؟ القتلة والمتطرفون والمجانين المتحجرون، من كل دين وملة، ممن يبحثون عن قيمة زائفة بقتل الناس في مترو لندن أو سوق الحميدية بدمشق أو حافلة ركاب لأقباط أو عسكر في صعيد مصر. أم من يسقطون ضحايا في هذه الجرائم ظلما وبهتانا، بغض النظر عن دينهم وجنسيتهم وفكرهم؟!   
مجرد الدخول في نقاش بيزنطي عقيم حول مدى وجود تبريرات فقهية أو تراثية أو ثقافية، أو حتى اجتماعية اقتصادية وسياسية، لهذا القتل الأعمى واستهداف حياة المسالمين من كل ملة وعرق ودين، يدخلك في دوامة زائفة تعميك عن النظر مباشرة بأعين الضحايا الأبرياء، وتسلخك عن إنسانيتك ووعيك الإنساني الفطري.
دينك.. إسلامك ومسيحيّتك ويهوديّتك وبوذيّتك يتجلّى، أولا وقبل كل شيء، في إنسانيتك، ولا شيء غير هذه الإنسانية، فالطريق إلى الله وإلى كل قيمة عظيمة لا يستقيم دون هذه الإنسانية!!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل (ادكمال غرايبة)

    الاثنين 29 أيار / مايو 2017.
    مقالة عميقة صادقة جميلة من احد الكتاب القلائل الذين اتابعهم دوما ,والجميل انه بهذا العدد هناك مقالتين حول نفس الموضوع لثلاثة من الكتاب الذين اقرا لهم. تحياتي للثلاثة.