إبراهيم غرايبة

التطرف والكراهية بما هما فشل الدول والمجتمعات

تم نشره في الأربعاء 31 أيار / مايو 2017. 12:06 صباحاً

إذا كان صحيحا القول إن سلسلة الازدهار والتقدم تقتضي بداهة تكريس الاعتدال والتسامح والتعددية والتنوع ومواجهة التطرف، وأن تشكل المجتمعات حول مواردها ومدنها ثم إنشاء منظومة اجتماعية وثقافية تستجيب استجابة صحيحة وملائمة مع الموارد والاولويات والاحتياجات الناشئة للمدن والمجتمعات تستوعب جميع فئات المواطنين وتحفزهم على المشاركة الصحيحة والنافعة وتخرج عمليات المشاركة العامة والبحث عن المعنى والجدوى من اللجوء إلى العنف والتطرف؛ فإن ذلك يقتضي بطبيعة الحال البحث عن الاستجابات الخاطئة في حلقات تنظيم الموارد والمدن والمجتمعات وكيف تتحول الوفرة والمؤسسات الحديثة والتقنيات إلى العمل ضد نفسها أو تهيمن عليها فيروسات وخلايا سرطانية تدمرها!
إن الموارد في تجددها وتشكلها وتوزيعها وانتاجها تنشئ قيادات ونخبا اجتماعية واقتصادية وسياسية وفرصا وأعمالا ووظائف وأسواقا، وفي متوالية الفرص والموارد تكون عمليات تنظيم التنافس عليها، فتتشكل أول منظومة "شريرة" عندما لا يكون بمقدور جميع المواطنين المشاركة في منافسة عادلة على الفرص والقيادة. وهذا التنافس يقتضي تنظيمه استنادا إلى قوانين ومؤسسات تشريعية وقضائية تجعل الصراع والتنافس سلميا وتتيح  للمواطنين وعلى قدم المساواة الحصول على حقوقهم وحمايتها وتعزيزها، وتنشأ هنا الحلقة الشريرة الثانية عندما لا يكون ثمة مؤسسات كفؤة وعادلة لتنظيم التنافس وعندما تغيب سيادة القانون ثم المساواة التامة بين جميع الفئات والطبقات أمام القانون والمحاكم، ففي ظل هذا الغياب للعدالة والمساواة والمؤسسية الكفؤة والفعالة لتطبيق العدالة والقانون، يغيب عقد اجتماعي ويحل محله عقد اجتماعي آخر!
يغيب العقد الاجتماعي القائم على سيادة القانون والمنشئ لمؤسسات اجتماعية وإعلامية ومهنية تحمي المصالح والحقوق والمكتسبات والتنافس السلمي على الفرص والموارد ليحل محله عقد قائم على الاحتكارات والامتيازات والهيمنة على الفرص والاعمال وتوزيعها على أسس غير عادلة، كالقرابة والتبعية وحرمان المبدعين والعصاميين والمبادرين، ويتحول الصراع من سلمي إلى عنيف، لأن أصحاب الحقوق الضائعة يشعرون أنهم ربما يستعيدون حقوقهم وفرصهم المهدورة أو المغتصبة وإن خسروا المعركة فلن يخسروا شيئا جديدا لأنهم خاسرون أيضا بدون المعركة، وتبدأ سلسلة من العنف والانتقام الذي يجعل الرجوع عنه صعبا أو مستحيلا، فالنخب المهيمنة  تشعر أيضا بأنها لن تحمي مكتسباتها الا بالعنف والبطش فإن لم تنجح في ذلك فهي كانت ستخسرها من غير عنف أيضا، وهكذا يصبح العنف هو الوسيلة الوحيدة الممكنة لحماية المكتسبات والحقوق أو الحصول عليها، وتصبح هذه هي القاعدة في الصراع وتنظيمه بدلا من قاعدة أن التنافس السلمي هو الوسيلة الوحيدة لتحصيل الحقوق وحمايتها.
في هذا الصراع الصفري أو الوجودي لا مجال للتعددية والتنوع والمشاركة ولا التسويات والتنازلات، ثمة هيمنة كاملة أو هزيمة كاملة ساحقة، وحول هذا الصراع تقوم تجمعات وأفكار ومؤسسات ومدن ومصالح تترسخ وتتطور، وتصبح في اختلال الهيمنة معرضة للزوال والتدمير، ولا يعود ثمة مجال امام المستفيدين منها والمجتمعات والطبقات المتعددة المتشكلة حولها سوى الانخراط التام في الصراع والعنف، ويمكن بوضوح ملاحظة كيف انضمت قيادات وجماعات يفترض أنها حداثوية وليبرالية ويسارية إلى تشكلات طائفية وعشائرية لأنها غير قادرة على حماية نفسها او الحصول على مكاسب وفرص إلا من خلال هذه التشكلات وصراعاتها، فتتعزز التكوينات العشائرية والطوائفية بقيادات وخبرات متقدمة ومؤسسات إعلامية واقتصادية واجتماعية حديثة ومنظمة، وتنشأ الحلقة الشريرة الثالثة عندما يتحول التخلف والفشل إلى مؤسسة متقدمة تقنيا ومهنيا وماليا، تخيل مثلا الانترنت والأقمار الصناعية في خدمة الصراعات والقيم والافكار العشائرية والطائفية!
ويلتبس هنا التقدم والتخلف والفشل والنجاح، فالموارد والمعارف والتقنيات تعمل لأجل حالة يفترض أنها تنشأ سابقة للوفرة والمعرفة، فتصبح البداءة متماسكة قوية وقادرة على انتاج خطاب وثقافة ومؤسسات وجامعات، ولكنها تنتج العنف والكراهية والصراع المدمر، والمعرفة والأفكار المعززة لهذا الخراب!

التعليق