ماجد توبة

أكوام الحديد والدوران في ذات الدائرة!

تم نشره في الخميس 1 حزيران / يونيو 2017. 12:05 صباحاً

كان المشهد في شارع الشهيد الذي يربط عمان بالزرقاء وضواحي كبيرة في العاصمة صباح أمس وأول من أمس لافتا ومعبرا، ويختصر قصة فشل قطاع النقل والمرور بالمملكة. عشرات، وربما مئات لا أعرف، من رقباء السير والشرطة على جانب الطريق الى عمان، لضمان سريان شريان آلاف السيارات، وعدم تكرار الاختناقات المرورية المستفزة التي حدثت يومي الأحد والاثنين الماضيين.
في شهر رمضان يظهر بوضوح فشل نظام النقل والمرور في عمان، والذي يمكن أن تسحبه على باقي أرجاء المملكة، لكنه فشل يكون في عمان فاقعا وأكثر بروزا واستفزازا نظرا لما تحويه العاصمة من أكوام الحديد المتحركة في شرايينها وشوارعها، حيث تقدر بنحو مليون مركبة تقطع يوميا هذه الشوارع.
وكما في شارع الشهيد الحيوي، ترزح عادة شوارع الاستقلال والجامعة والأردن وغيرها، تحت ضغوط وأزمات مرورية خانقة، كونها مداخل رئيسية للعاصمة، تربطها بباقي المحافظات وبمناطق كبيرة وواسعة من الضواحي. وقد تحولت هذه الشوارع يومي الاحد والاثنين الماضيين مع أول يومي دوام رسميين في رمضان، وتوحيد ساعة الدوام عند العاشرة صباحا، إلى مقبرة لعشرات آلاف السيارات، في أزمة مرور خانقة، وتكدس واختناقات مرورية غير طبيعية.
يوما أمس الاربعاء وأول من أمس، كان واضحا أن الامن العام وشرطة السير لجأوا إلى خطة مرور طارئة ومنظمة ومكثفة، ظهرت آثارها بالتقليل إلى حد كبير من الاختناقات المرورية، تحديدا في الشوارع الرئيسية والحيوية المذكورة، رغم استمرار تدفق عشرات الآلاف من المركبات في ذات المواعيد، صباحا وعصرا. لكن الملاحظ أن خطة دائرة السير احتاجت لنشر أعداد كبيرة من رقباء وشرطة السير على طول هذه الشوارع الحيوية، ولجوئها إلى تحديد مناطق تنظيمية للمسارب الداخلة والخارجة من هذه الشوارع وضبطها.
لم تنته الأزمة المرورية في هذه الشوارع، لكنها بدت أقل استفزازا، بعد أن جعلت حركة السير أكثر انسيابية ودون اختناقات معقدة، وهي بلا شك تطلبت استنفارا وجهودا كبيرة وغير طبيعية من الأمن العام وشرطة السير وافرادهما، وهي جهود نتوقع استمرارها طوال أيام الشهر الفضيل للتقليل من حجم الأزمة.
الاصطدام يوميا بهذه الازمة المرورية وتأثيراتها السلبية؛ اقتصاديا ونفسيا وصحيا وبيئيا، يجدد طرح قضية الفشل الذريع لنظام النقل العام الاردني، إضافة إلى غياب التخطيط الحضري والبلدي الذي يمكن له أن يستشرف مستقبل تطور المدينة والنمو السكاني، ناهيك عن التجاوزات والاختلالات الواضحة في البنى التحتية وحتى التنظيمية للعديد من الأحياء والمناطق السكنية والتجارية بالعاصمة وغيرها، ما فاقم ويفاقم يوما بعد آخر من الاختناقات المرورية وتأثيراتها.
قد تكون المشكلة الأكبر هي في الاستمرار والإصرار من قبل الأمانة والبلديات على الترخيص لافتتاح مولات ومراكز تجارية ومطاعم ومؤسسات رسمية بمناطق حيوية ومأزومة باختناقاتها المرورية، دون توفر مواقف سيارات ومساحات مناسبة، فيما نستمر بالدوران حول أنفسنا بدون أفق ونحن نتعامل مع أزمة النقل العام، الذي يدفع فشل خدماته وتنظيمه وبنيته التحتية أغلب الناس إلى الاعتماد على سياراتهم الخاصة في التنقل وقضاء مختلف حاجاتهم، إلى الدرجة التي تحولت فيها عمان الى كومة كبيرة من الحديد، لا تضغط فقط على البنية التحتية والبيئية للمدينة، بل وعلى أعصاب ومزاجات أهلها وعلاقاتهم الاجتماعية.
جهود كبيرة ومشكورة تسجل لشرطة السير والأمن العام في محاولاتهم للتخفيف من الأزمة المرورية الخانقة التي تطبع صباحات ومساءات رمضان، لكنها بلا شك لا تسد او تغني عن ضرورة الذهاب مباشرة إلى معالجة الأسباب الرئيسية والحقيقية لهذا الانفجار المروري القاتل في شوارعنا وعاصمتنا.

التعليق