منار الرشواني

نهاية أخرى للتاريخ

تم نشره في السبت 3 حزيران / يونيو 2017. 12:05 صباحاً

كان يفترض، بحسب فرانسيس فوكوياما، أن يكون التاريخ قد بلغ نهايته مع انهيار الاتحاد السوفياتي والنموذج الاشتراكي الماركسي ككل عشية القرن الواحد والعشرين، فلم يعد أمام بقية العالم سوى السعي إلى تحقيق الديمقراطية الليبرالية التي أثبتت قدرتها على البقاء وتحقيق الازدهار للشعوب المتبنية لها. ورغم انتكاسات هنا وهناك، فقد بقيت هذه النظرية/ الفرضية، صالحة لقرابة ربع قرن طالما بقي مستمراً السعي إلى تلك "النهاية". بل وعلى الرغم من أن فوكوياما أصر على استثناء العالم العربي من "نهاية" تاريخ بقية العالم، بدعوى أن الديمقراطية ستجلب حركات إسلامية تسعى إلى إقامة حكم شمولي ثيوقراطي، فإن المفارقة أن العالم العربي ذاته كان آخر من دعم نظرية فوكوياما، حين نزلت الشعوب العربية إلى الشوارع في العام 2011 مطالبة بحقوقها "الإنسانية" المتمثلة في "الحرية والكرامة والعدالة".
لكن إذا كان الغرب، المزدهر والمنتصر على الشيوعية، هو معيار "نهاية التاريخ" منذ القرن الماضي، فإن هذا الغرب ذاته، ولأنه ديمقراطي، يبدو دليلاً أهم على نهاية رؤية فوكوياما لـ"نهاية التاريخ"، مفسحاً المجال لنهاية أخرى، قد تكون مدمرة بالمعنى المادي بعد القيمي.
إذ من الممكن المحاججة دوماً، وعن حق، بأن الشعوب الخاضعة للاستبداد تبقى تواقة للديمقراطية وحتى الليبرالية الاقتصادية (بنسختها غير المتوحشة بالتأكيد)، لكنها محرومة من التعبير عن رأيها. لكن تصويت ملايين المواطنين الغربيين للشعبويين واليمينيين المتطرفين دليل على أن الغرب ذاته يتخلى عن ديمقراطيته الليبرالية طواعية. ثبت هذا في الولايات المتحدة بانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، كما بمنافسة مارين لوبان في المرحلة الحاسمة للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وأيضاً صعود اليمين المتطرف ليغدو قوة يحسب لها حساب في أوروبا عموماً. ولتكون المفارقة هنا أن صناديق الاقتراع صارت مطية ليس للإسلاميين المتطرفين، بل هي -بشكل مثبت وليس مفترض- مطية الشعبويين واليمينيين المتطرفين المعادين، فعلياً وبالمحصلة، للديمقراطية.
ولعل الدليل الأخطر على النهاية الجديدة للتاريخ، هو ذاك الذي تقدمه الآن بعض النخب الأميركية تحديداً. إذ سيظل ممكناً القول إن ترامب لم يفز بأغلبية أصوات المواطنين الأميركيين، بل بأغلبية أصوات "المجمع الانتخابي". لكن في المقابل، فإن الملفت هو موقف الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس إزاء كل الإشكالات والفضائح التي تتكشف بحق الأخير. إذ يبدو واضحاً أن أولوية أغلبية النخبة الجمهورية، معبراً عنها بأعضاء الكونغرس الأميركي، هي أولوية حزبية خالصة، بعكس الانطباع السائد عن أولوية المصالح الوطنية في البلدان الديمقراطية. وهنا تتبدّى المشكلة الحقيقية.
فالديمقراطية ليست محض عمليات وإجراءات من قبيل إجراء انتخابات وتأسيس أحزاب، بل هي أساساً قيم يتم التعبير عنها وصونها عبر تلك العمليات والمؤسسات. والواقع اليوم أن هذه القيم هي ما يتم التخلي عنه، في وقت تتواصل الإجراءات والعمليات التي تغدو جوفاء.
السؤال الآن: هل يمكن -وإلى متى- أن يستمر العالم من دون قيم إنسانية عالمية جامعة؟

التعليق