كم تساوي سنة من حياتك؟

تم نشره في الجمعة 2 حزيران / يونيو 2017. 11:04 مـساءً


عندما تتزاحم الأولويات وتضيق الموارد يجد صانع القرار نفسه مضطرا الى ترتيب أولويات صرف المتوفر، وقد يكون هذا الأمر ميسورا إذا ما كانت هذه الأولويات المتنافسة تندرج تحت بند الكماليات، لكن المهمة تضحى عسيرة إذا ما تعلق الموضوع بحياة الناس، فاذا ما تحدثت الى احد مسؤولي الصحة تجد ان قسطا كبيرا من وقته يذهب في البحث في طلبات فردية لمواطنين يلحون ويوسطون للحصول على بعض الادوية باهظة الثمن التي قد تكون محدودة الفائدة، او حتى للتحويل للعلاج في الخارج، ما يرتب على الخزينة اعباء لا قبل لها بها.
جرت العادة ان تحتكم الدول والمؤسسات في تحديد اولويات الصرف على الصحة الى معادلة واضحة يتم من خلالها ترتيب هذه الأولويات من خلال ما يسمى بـ"الموازنة بين التكاليف والفوائد".
ولإجراء هذا التحليل لا بد لنا من وضع قيمة رقمية لحياة الإنسان، وتحديد المبلغ الذي تستحقه سنة اخرى تضاف الى حياته، وقد تم الاصطلاح من قبل العديد من المؤسسات على الرقم 50 الفا من الدولارات كمبلغ مناسب يمكن دفعه لكل سنة مضافة الى حياة الفرد.
لكن السؤال الملحّ هنا عن مدى اخلاقية وضع تسعيرة لحياة الإنسان كما لو كان بضاعة تجارية، وإذا كان ذلك ممكنا فما هي المدخلات التي ستدخل حسبة التكاليف، وهل سنة إضافية في حياة "بيل غيتس" تساوي مثيلتها لمشرد في أزقة نيويورك، ثم هل من المنطق ان نهتم بإضافة ارقام جديدة الى عداد حياة الانسان بغض النظر عن جودة هذه الفترة المضافة.
ورغم الانتشار الواسع لاستخدام "تحليل التكاليف والفوائد"، الا أن هنالك كما هائلا من العلاقات والمشاعر الإنسانية التي لا يمكن ترجمتها الى ارقام، كما يبقى الجانب الاخلاقي لهذه لطريقة موضع شك. ويحضرنا هنا القصة الشهيرة التي حصلت في جمهورية التشيك، حيث خلصت إحدى شركات التبغ من خلال تحليل مماثل الى أنه من الأفضل والأكثر جدوى للدولة أن تشجع على التدخين حيث سيدخل خزائنها ملايين الدولارات على شكل ضرائب وعائدات يمكن ان تنفق على الصالح العام من تعليم وصحة وبنية تحتية، كما انها لن تكون مضطرة لعلاج المواطنين "المدخنين" في فترة الشيخوخة التي من المرجح ان لا يبلغوها ولا لدفع رواتب تقاعدية لفترات طويلة لأنهم سيقضون مبكرا بالسرطان وأمراض القلب وغيرها. هذا التحليل وغيره يبين الجانب اللاأخلاقي لهذا المبدأ، حتى وإن بدا مربحا بالأرقام المجردة.
يرى المفكر الإنجليزي جيريمي بنثام أن "المبدأ الأسمى للأخلاقيات" يتحقق بتعظيم المصلحة العامة وزيادة المنفعة القصوى لأكبر عدد من الناس، وهو ما يطلق عليه "الفلسفة النفعية"، وعليه فإننا نقوم بتوجيه الموارد لتحقق مصلحة أكبر عدد من الناس بغض النظر عن المصلحة الفردية لبعض الاشخاص او لفئة صغيرة من الناس: فهو يضع مصلحة المجموع فوق مصلحة الفرد وينحاز للاغلبية على حساب الفرد او الاقلية  منطلقا من فرضية شمول المنفعة الجمعية للمنافع الفردية.
يجد احدنا نفسه في حالة فصام بين تعاطفه الانساني مع الحاجة الفردية للشخص الذي يرى في حاجته كل عالمه، وبين الموارد المحدودة التي يجب ان توجه للصالح العام وأولوياته المتنافسة.

التعليق