علاء الدين أبو زينة

رحل بريجنسكي وأورثَنا الخراب..!

تم نشره في الأربعاء 7 حزيران / يونيو 2017. 11:06 مـساءً

في 26 أيار (مايو) الماضي، رحل عن الدنيا مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، زبغنيو بريجنسكي. لكن منطقتنا، التي تعيش مع أسوأ تداعيات إرثه، انشغلت عن خبر وفاته بزحمة الأخبار عن العمليات الإرهابية، أو الخلافات التي لها علاقة بالإرهاب، وما شابه. ولم ينتبه معظمنا إلى حقيقة أن الإرهاب والتطرف اللذين يشغلان البشرية اليوم هما في جزء كبير منهما من صنيعة بريجنسكي.
كان هوس بريجنسكي عندما كان مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي جيمي كارتر في أواخر السبعينيات، هو تفكيك الاتحاد السوفياتي. ولتحقيق تلك الغاية، سعى إلى توريط السوفيات في أفغانستان. وقال عن ذلك: "كنا نريد أن نهدي روسيا فيتنامها الخاصة... استمرت الحرب (في أفغانستان) نحو 10 أعوام... وهو الصراع الذي أدى إلى إضعاف معنويات –وأخيراً انهيار الإمبراطورية السوفياتية".
لكن ثمن توريط السوفيات في أفغانستان وتدمير إمبراطوريتهم كان إهداء العالمين العربي والإسلامي -والعالم ككل- البلاء الذي يُعرف الآن بـ"الإرهاب الإسلاموي". وبدأت القصة من عند بريجنسكي الذي رأى فرصة كبيرة في دعم المجاهدين المناهضين للحكومة الأفغانية في أواخر السبعينيات. وأقنع رئيسه، جيمي كارتر، بتوقيع أول أمر بتقديم المساعدات للحركات المعارضة للنظام الشيوعي الموالي للسوفيات في أفغانستان. وكانت فكرته أن هذه المساعدات سوف تستدرج السوفيات إلى التدخل العسكري والغرق في مستنقع.
لتنفيذ فكرته، سعى بريجنسكي إلى تجميع "المجاهدين" المسلمين من جميع أنحاء العالم لمحاربة السوفيات في أفغانستان، على أساس أن محاربتهم واجب مقدس ودفاع عن الإسلام والمسلمين.  ولذلك، قام بزيارة إلى مصر في عهد أنور السادات، وطلب منها شيئين: تشغيل مؤسستها الدينية في حملة لتشجيع القتال ضد السوفيات ونجدة المسلمين في أفغانستان؛ واستخدام الأسلحة السوفياتية القديمة في الترسانة المصرية لتسليح "المجاهدين" بدلاً من إرسال أسلحة أميركية وفضح تدخل بلاده هناك.
لاستكمال حلقات المخطط، تم تكليف المخابرات الباكستانية وبعض المخابرات العربية بالإشراف المباشر على التنسيق وتدريب "المجاهدين"، ونجحت الحملة في تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين من كافة أنحاء العالم الإسلامي. وتشير بعض التقديرات إلى أنه جرى تدريب أكثر من 100 ألف مقاتل في معسكرات باكستانية. ومن بين هؤلاء، وصل أسامة بن لادن في العام 1979 وأسس فيما بعد تنظيم القاعدة برعاية جهاز الاستخبارات الباكستاني، وكيل المخابرات الأميركية في العمل ضد السوفيات في ذلك الوقت. وقد ذهب بريجنسكي بنفسه إلى باكستان ليخاطب قادة المجموعات الإرهابية، وقال: "لدينا فكرة عن إيمانكم العظيم بالله.. ونحن على ثقة بأنكم ستنتصرون.. تلك الأرض هناك هي أرضكم وسوف تعودون إليها في يوم من الأيام، لأن نضالكم سوف يسود، وستملكون بيوتكم ومساجدكم مرة أخرى".
في عهد رونالد ريغان، واصلت السياسة الأميركية العمل على أساس مخططات بريجنسكي في أفغانستان. وقد لخصت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، ذلك العمل، فقالت في حديث نقلته شبكة "سي. إن. إن" الأميركية: "بمباركة الرئيس ريغان وبموافقة الكونغرس بقيادة الحزب الديمقراطي، قمنا بالتعامل مع المخابرات الباكستانية ودعمنا تجنيد هؤلاء المجاهدين.. استوردنا الماركة السلفية من الإسلام حتى نستطيع الإجهاز على الاتحاد السوفياتي". وفي تلك الفترة، استقبل ريغان بعضاً من قادة "المجاهدين" في أفغانستان ووصفهم بأنهم "مقاتلو الحرية".
كما هو معروف، فرخ تنظيم القاعدة في أفغانستان تنظيم الزرقاوي "القاعدة في العراق"، الذي أنجب "داعش" الحالي. وهناك الآن عشرات التنظيمات الإرهابية في العالم العربي وكل أرجاء العالم الأوسع، والتي تستلهم فكر وأساليب القاعدة و"داعش". وإذا وقع هجوم إرهابي في مانشستر البريطانية، أو بغداد أو على حدود الأردن الشمالية، فإن يد زبغنيو بريجنسكي موجودة فيه. وحسب رأيه الذي لم يتغير مع الزمن، كان تدمير الاتحاد السوفياتي يستحق الثمن الذي تكلفه دعم "الأصولية الإسلامية". لكننا نحن الذين دفعنا وندفع الفاتورة الأساسية، في البداية بالمال، وأخيراً بالدم والهول الذي نشهده كل يوم.
الآن، بعد أربعين عاماً تقريباً من بدء مخطط بريجنسكي، تتحكم تداعيات ذلك المخطط في كل تفاصيل يومياتنا وتنغّص عيشنا. لكننا مع ذلك لم ننتبه لخبر موت الزعيم الحقيقي والأب المؤسس للإرهاب "الجهادي" المنظَّم الذي يدمر منطقتنا.

التعليق