إنسانية المواطن وقطاع النقل

تم نشره في الثلاثاء 13 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

د. أيّوب أبو دية

في احد اجتماعات جلالة الملك بهدف تطوير قطاعي النقل والطاقة صرح بإدراكه لمعاناة المواطن خلال تنقله من مكان عمله الى بيته نتيجة عدم وجود منظومة نقل عام تحترم إنسانيته، فيما لاحظ أن قطاع النقل يواجه تراجعا مقلقا ودعا إلى تطويره.
في الحقيقة أن هذه الملاحظات في غاية الأهمية، وهذه التصريحات تجعلنا نعلي صوتنا ليصبح مسموعا. وكي نستطيع أن نتحدث عن معاناة المواطن بالأرقام نرغب فيما يلي بالتأكيد على كلام جلالة الملك بعقد مقارنة بين عناصر ثلاثة تسهم في إلقاء الضوء على هذه المعاناة، أولها نسبة ما ينفقه المواطن الأردني على النقل من راتبه كمعدل عام، والمعيار الثاني هو سعر اللتر من الوقود مقارنة بمناطق أخرى من العالم، وأخيراً معدل دخل الفرد وحصته من مجمل الدخل القومي السنوي مقارنة بدخول أفراد هذه الدول المختلفة. وقد اخترنا دول بريطانيا وايطاليا واليونان للمقارنة.
تقول بعض الدراسات المنشورة أن الشباب الأردني العامل ينفق نحو 30-33 % من دخله على النقل فيما يستخدم 39 % من الشباب العامل ثلاث وسائط نقل يومياً للوصول إلى مكان عملهم والعودة إلى البيت ويستغرقهم ذلك زهاء ساعتين، فيما ينفقون في المعدل دينارين يوميا للتنقل بالحافلات. هذا يعني انه إذا اعتبرنا أن الحد الأدنى للرواتب هو 220 دينارا شهرياً فإن ما يتبقى هو مبلغ 145 دينارا لخدمة الحاجات الاخرى، أي حوالي 200 دولار، بينما إذا قارنا ذلك بدولة مثل اليونان وهي أحدى دول أوروبا المتدنية الدخل فنجد أن الشباب الأثيني العامل ينفق 13 % فقط من راتبه على النقل ويتبقي له 679 دولاراً للمعيش. وإذا قارنا غلاء المعيشة بين عمّان وأثينا فالفرق ضئيل بل هناك الكثير من السلع في عمّان أغلى منها في أثينا (باستثناء الخبز المدعوم). ويمكننا ملاحظة الفائض الذي تتمتع به دولة فقيرة في أوروبا مقارنة بالفائض الضئيل الذي يعاني منه الشاب الأردني.
أما إذا أخذنا مدينة مثل البندقية في إيطاليا فهي تعتبر الأعلى إنفاقا على النقل في العالم وتستنزف 26 % من دخل المواطن البندقي على النقل، فإن هذا يجعل الأردن في مصاف الدول الأعلى إنفاقاً على وسائط النقل بلا منازع.
وإذا أخذنا مدينة لندن، على سبيل المثال، فإن المواطن الإنجليزي فيها ينفق 13 % في المعدل من راتبه على النقل علماً بأن الحد الأدنى للراتب هناك أعلى بكثير (7 دنانير في الساعة) وعلماً بأن سعر لتر البنزين أعلى بـ 20 % فقط عنه في الأردن الذي بلغ مؤخراً 89 قرشاً للتر، بينما إذا قارنا الفرق في مستوى دخل المواطن أو حصة المواطن من مجمل الدخل القومي فنجد أن حصة المواطن الأردني لا تزيد عن 10 % من حصة المواطن البريطاني.
ختاماً نقول إن اضافة ساعتين الى ثماني ساعات  العمل في الاردن كي يستطيع الانسان التنقل من البيت الى العمل وبالعكس يجعل من يوم العمل إرهاقاً كبيراً للمواطن ومسبباً للتوتر العصبي والنفسي والتدهور الصحي لدى الناس وبخاصة لدى فئة الشباب. وفي ضوء ارتفاع درجات الحرارة وأعباء الصيام وتردي أخلاقيات قيادة المركبات والاستخدام السيئ لها وعدم توافر نظام نقل عام متطور ومريح كحال الدول المتقدمة، فانها مشكلات تتراكم في وجه المواطن، وهذا ما نعتقد أنه رمى إليه جلالة الملك في اجتماعه الأخير حول قطاع النقل. إذ نأمل أن يتم أخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار في شموليتها الاقتصادية والأخلاقية والاستراتيجية والاجتماعية لتزيد من كفاءة النقل وتخفض من تكلفته وتقلل من الزمن المستغرق في التنقل وتنظيم السير واعادة تأهيل الجميع من "مدربي السواقة" الى رجال السير الى السائقين انفسهم بحيث نعيد إلى الإنسان كرامته ونخفف عليه أعباء التنقل بدلا من الانتظار لساعات طويلة تحت الشمس في انتظار ان يشفق عليه سائق الحافلة.
لا توجد لدي رؤية ايجابية عن حافلات التردد السريع في شوارع ضيقة كعمان، وما أراه ناجعا هو مسارب محددة لقطارات خفيفة سريعة او مترو علوي مكشوف ومرفوع على اعمدة فوق الشارع تعلو من وسط الجزيرة الوسطية من دون اخذ اي مساحة من الشارع، وذلك كما في بانكوك وشيكاغو، أو ربما قطارات تحت الأرض تخترق الجبال وتخصص لها مواقف في مناطق تستطيع الأمانة استثمارها. فاذا شئنا ان نحقق انسانية المواطن في التنقل استجابة لرغبة جلالته علينا ان نبدأ الان بوضع خطط استرتيجية وشمولية لعقود قادمة.

التعليق