بناء المشتركات الإنسانية مقصد شرعي وفريضة إسلامية

تم نشره في الخميس 15 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً
  • سيدة تقرأ القرآن الكريم في جاكارتا . ا ف ب

ويقصد بالمشتركات الإنسانية: القيم الإنسانية الموجودة في جوهر كل الأديان والحضارات والمدارس الفكرية، وتلبي حاجيات الإنسان الفطرية من حيث هو إنسان، فهي قيم ومبادئ عابرة للخصوصيات الثقافية للأمم، كإقامة العدل وإنصاف المظلوم وبغض الظلم، وكتحقيق الحرية وكرامة الإنسان، والحفاظ على النفس الإنسانية وتأمين حاجاتها المختلفة، إلى غيرها من القيم المشتركة الأخرى التي لا تختص بها أمة ولا حضارة ولا دين ولا ملة.
وإن الدارس لكتاب الله الكريم يجد العناية الفائقة والاهتمام الكبير في تحقيق التواصل الحضاري بين الشعوب والأمم على اختلاف انتماءاتهم الحضارية والمذهبية والثقافية والدينية، وفي بناء القيم الإنسانية المشتركة التي تعزز من التعاون والتفاعل بينهم، والتأسيس للكليات الجامعة التي يتحقق بها الخير والنفع العام للمجتمع الإنساني كله، قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات/13)
وقال الله تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة/ 8)، فالأصل في العلاقات الإنسانية، على وفق القواعد التي يقررها القرآن الكريم: التفاعل لا التقاتل، والتعاون ولا التصادم، والود والسماحة والبر، لا العدوان والبغي والقهر.
وفضلا عن هذا الاهتمام الذي عني به القرآن الكريم في التأسيس لطبيعة العلاقة مع الآخر، فإن الناظر في العطاء العلمي الذي قدمه علماء الأمة جزاهم الله خير الجزاء يجد تقريرهم لجملة من الأصول والقواعد التي يمكن أن يبنى عليها ويتفرع عنها جملة من القيم المشتركة التي تصلح أن تكون قواسم كلية وأصولا عامة للعمل الإنساني المشترك الملبي لحاجات الإنسان الفطرية.
ونجد أن من أعظم هذه القيم التي تؤسس للمشترك الإنساني الجامع ما قرره الأصوليون في بيانهم لمراتب المقاصد الشرعية الثلاث؛ الضروريات والحاجيات والتحسينيات؛ حيث إن هذه المصالح الكبرى يمكن أن تشكل مرتكزات وقواعد كلية لبناء القيم والمصالح الإنسانية المشتركة التي يلتقي عليها الجميع، بقطع النظر عن انتماءاتهم وهوياتهم وأعراقهم وأجناسهم ومعتقداتهم.
وقد تتابعت عبارات العلماء على تأكيد المكانة الأساسية والمحورية لهذه الضروريات الخمس، وأنها مرعية ومحفوظة في جميع الشرائع المنزلة؛ أي أنها من قبيل المشترك الإنساني الجامع، وفق كما نص عليه عدد من الأصوليين والفقهاء.
وتمثل كل من هذه الضروريات مصلحة كلية يمكن أن تكون ركيزة أساسية في البناء القيمي الإنساني المشترك، ومدخلا لعناية الخطاب الإسلامي المعاصر بما لا  يحصى من الوسائل والأساليب التي تحقق المشترك الإنساني والتواصل الحضاري بين الشعوب، ففي مجال حفظ النفس يجب على الخطاب الإسلامي المعاصر أن يركز على التعاون الإنساني في تأمين الإنسان بالغذاء واللباس والمسكن وضرورات الحياة الأخرى التي يتحقق بها حفظ النفس الإنساني، هذا فضلا عن التعاون في مقاومة الأمراض الخطيرة كالسرطان والايدز والسّل وغيرها من الأمراض الفتاكة الأخرى، وفي التصدي للآثار والمآسي التي تنجم عن المجاعات والنكبات والفيضانات والزلالزل والحروب التي تصيب الدول الشعوب، وتكون وبالا وخيما على النفس الإنسانية.
وفي مجال الحفاظ على النسل، فيجب أن يؤكد الخطاب الإسلامي الحض على الزواج وسن التشريعات والأنظمة ووضع السياسات التي تيسر إجراءات الزواج وتسهله، وتشجع المقبلين على الزواج ومنحهم القروض الميسرة، وعقد الدورات التثقيفية للمقبلين على الزواج، والحث على حسن رعاية الأبناء وتربيتهم، ووجوب حضانتهم وكفالتهم ونفقاتهم، وإقامة المراكز الصحية الخاصة بالأمومة والطفولة، وإيجاد المحاضن التربوية المجانية التي تعنى بتعليم الأولاد، وإيجاد مراكز التوجيه الأسري التي تشيع الثقافة الأسرية التي تبني أسرة قوية ومتماسكة، إلى غيرها من الوسائل الكثيرة التي تخدم مقصد الحفاظ على النسل وتقويه وتعززه، ويمكن أن تكون من قبيل المشترك الإنساني.
كما ينبغي أن يحفل ببناء العديد من الوسائل المشتركة إنسانيا: كتجريم الزنا والشذوذ الجنسي والمعاقبة عليهما. ومحاربة أي من أشكال التعطيل لآلة الإنجاب التي فطر اللهُ الناس عليها، سواء عند الرجال أو عند النساء. وتحريم وأد المواليد وإجهاض الأجنة.
وعليه فإن العديد من المناشط والقيم الإنسانية المشتركة يمكن أن يتم استيعابها من خلال الخطاب الإسلامي الجامع الذي يستند إلى مقاصد الشريعة الإسلامية في التأسيس لإقامة جسور التواصل مع المجتمعات الإنسانية وتحقيق التكافل والتعاون الإنساني بين الشعوب.

الدكتور عبدالرحمن الكيلاني
رئيس رابطة علماء الأردن

التعليق