"السلام" حسب بينيت: انا أملي، أنت توقع

تم نشره في الخميس 15 حزيران / يونيو 2017. 12:09 صباحاً

يديعوت أحرونوت

 أفيعاد كلاينبرغ

رد نفتالي بينيت على شعار "سلام الشجعان" الذي أطلقه ياسر عرفات، بشعار "سلام اليمينيين". كلاهما مشكوك فيهما بالقدر ذاته. في الحالتين كلمة "سلام" مشكلة. وأول أمس اوضح بينيت ما هو ذاك السلام الذي هو واليمينيين يتمنونه: السلام، شرح وزير التعليم، هو انعدام الحرب. هذا صحيح، بالطبع، وأضاف بان "سلام اليمينيين هو سلام انطلاقا من القوة". وفي هذا ايضا لا خلاف. فعندما يكون الطرف الموقع على الاتفاق هو عديم القوة، فإن الاتفاق هو اتفاق استسلام وليس اتفاق سلام.
غير أن في عالم بينيت لا وجود للطرف الاخر، احتياجاته، اراداته، قدراته، حقوقه. نحن نقرر الخطوط الهيكلية للتعايش وفقا لاحتياجاتنا الديمغرافية، الأمنية والثقافية. ("مثلا نقرر أن القدس هي فوق المنطق وفوق السلام"). نحن نقرر ما هي حدود الحكم الذاتي لفلسطين، وبالطبع ما هي حدود الدولة وكنتيجة لذلك ما هي حدود "الكيان" الفلسطيني. إذا كنا اقوياء بما يكفي، سيضطر الطرف الاخر إلى قبول املائنا. السلام، بتعبير آخر، ليس خطوة اعتراف بالاخر ومحاولة التوافق معه بل خطوة من طرف واحد لا تعكس الا احتياجاتنا.
ثمة شيء ما جذاب جدا في هذا الفكر النرجسي للتعايش. فالاعتراف باحتياجات الاخر وحقوقه (كانسان، كمواطن، كصاحب تطلعات قومية) ليس طبيعيا لنا. فاذا كان بوسعي أن اقرر بنفسي القواعد، فلماذا لي أن اراعي احتياجاتك؟ أنا أتذكر المرة الأولى التي وقعت فيها على عقد لاستئجار سيارة، بدأت اقرأ العقد. وتقريبا في المادة 7 نفد صبر مندوب الشركة: "دعني اوفر عليك الوقت"، اقترح، "نحن دوما محقون وانت دوما مخطئ". وكانت خلاصته دقيقة، وخياراتي محدودة. وقعت. "على مدى التاريخ حاولت القوى العظمى التصرف هكذا مع القوى الضعيفة. فقد أملت الشروط. والطرف الضعيف وقع. سلام اليمينيين.
من جهة اخرى، اذا كان ثمة شيء ما يعلمنا اياه التاريخ، فهو أن الترتيب موضع الحديث (اما أملي وانت توقع)  مليء بالمشاكل. عندما يدور الحديث عن املاء عقد لاستئجار سيارة فقد يكون هذا ينجح (طالما كان لا يوجد للمستأجر خيارات). اما عندما يدور الحديث عن "الحياة نفسها" فهذا ينجح بقدر اقل. وحتى امبراطوريات عظمى اكتشفت بان الموقعين المهانين والغاضبين، الموقعين الذين قبلوا مع شد الاسنان على ترتيب الرابح الخاسر win lose يتوجهون إلى وسائل غير لطيفة للتعبير عن عدم رضاهم.
الانجليز، مثلا احتلوا فلسطينهم. ايرلندا، في القرن الحادي عشر.  وقد املوا "انطلاقا من القوة" شروطهم (في القرون الاخيرة، بالمناسبة، هذه الشروط هي افضل بكثير من الشروط التي نعرضها على الفلسطينيين – وقد تضمنت حقوق مواطنة كاملة، بما في ذلك الانتخاب للبرلمان البريطاني).  مثلنا، بعث البريطانيون بالمستوطنين إلى ارجاء ايرلندا. وبين الحين والاخر خرجوا في حملات عسكرية "كوت" بلا رحمة الوعي المحلي.  بعد 80 سنة ارهاب (او مقاومة مسلحة، منوط من تسأل)، جلسوا على طاولة المفاوضات وتوصلوا إلى اتفاق اخذت فيها احتياجات الايرلنديين ايضا.
يمكن للإمبراطورية البريطانية أن تسمح لنفسها بارتكاب اخطاء باهظة الثمن.  لقد كانت فوارق القوة بين بريطانيا وايرلندا كبيرة لدرجة أن ايرلندا كانت في اقصى الاحوال مجرد مصدر قلق. السؤال هو اذا كان بوسعنا أن نسمح لانفسنا بفكرة السلام اليميني لبينيت. في هذه اللحظة يبدو أن نعم، ولكن عند النظر إلى الارقام وإلى الخرائط، عند النظر إلى منظومة المصالح العالمية، فإن هذه النعم تهتز.
تتمتع دولة إسرائيل في هذه اللحظة بتفوق عسكري واضح. سهل على المرء ان يسكر من هذا، ولكن ليس مجديا السياقة في حالة سكر. ما ميز إسرائيل قبل ان تحتسي هذه الخليط الخطير من القوة والمسيحانية الدينية كانت البراغماتية، النظرة الواعية للممكن وغير الممكن. لقد قال بن غوريون بالفعل، مثلما اقتبس بينيت "ليس من حق الشعب اليهودي أن يتنازل عن اي جزء من البلاد". اما عمليا فقد تنازل عن غير قليل منها. فالاحلام في جهة والواقع في جهة اخرى. لبينيت يوجد حلم، اما نحن، ويا للويل، فنعيش في الواقع.

التعليق