عناقيد رمضانية

التوحيد يريح النفس ويجعلها مطمئنة

تم نشره في الأحد 18 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً

عمان- ما من شيء يريح النفس ويجعلها مطمئنة، ومتفائلة، ومستبشرة كالتوحيد، وما من عذاب يحيط بالنفس كالشرك، والدليل: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.
المؤمن ينساق لأمر الله موحداً، مستسلماً، راضياً، لذلك: حاول أن تفهم كل شيء فهماً توحيدياً، فيمكن أن تفهم الأحداث فهماً أرضياً، ويمكن أن تفهم الأحداث فهما توحيديا، الفهم التوحيدي يجعلك متوازنا، الفهم التوحيدي يجعلك متفائلاً، الفهم التوحيدي ينفي عنك الحقد، الفهم التوحيدي ينفي عنك الألم والضجر، الفهم التوحيدي يجعلك مع الله عز وجل.
هذه هي البطولة: لا يمكن أن يقول لك الله: اعبدني وأمْرك بيد زيد أو عبيد، أما على الشبكية: فيبدو أن أمرك بيد زيد فيما يبدو، لكن الله يقول: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾.
البطولة: أن تفهم الأحداث فهماً توحيدياً، وحينما تأتيك مشكلة راجع نفسك، وحاول أن تفهمها فهما إلهيا، لماذا كان هذا الأمر؟ لأن الله يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾، هذا شق، إليكم هذه الآية التي تريح الإنسان وتحل مشكلاته، الشق الثاني في الموضوع: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، شهد الله ما من آية في كتاب الله، وفي معها آية ثانية: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، ما من آية تريح الإنسان وتحل مشكلاته كهذه الآية.
من مسالك الشيطان في ابن آدم: قال سيد لعبد: سمعت أن سيدك سيبيعك، قال له: يعرف شغله، قال له: أرغب أن أشتريك، قال له: تعرف شغلك؟ قال له: اهرب، قال له: أعرف شغلي.
فأنت عليك أن تطيعه، وعلى الله الباقي، ما الذي يحصل؟ يأتي إبليس اللعين ويزهدك بما تستطيع، بإمكانك أن تكون صادقا، وأمينا، وعفيفا، بإمكانك أن تكون محسنا، بإمكانك أن تربي أولادك، بإمكانك أن تحجب زوجتك، بإمكانك أن تبيع المسلمين بيعا شرعيا، بإمكانك أن تعمل أعمالا صالحة، هذا كله تزهد فيه، ويقحمك إلى ما لا تستطيع، لا بد أن تقاوم، هذا شيء فوق طاقتك، تعمل حركة تتلقى مليون ضربة مثلاً، فيزهدك فيما تستطيع، ويدفعك إلى ما لا تستطيع.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
هذا المعنى مأخوذ من كلمتين: ﴿فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، مهمتك تنتهي بعبادتك، وعليّ الباقي.
"كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد"، ما النتيجة التي يحصل عليها العبد إذا أطاع الله؟
هذا الملخص: كلنا جميعاً حل مشاكلنا بكلمتين:
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، أنت أطع الله وارتح، تأتيك الأمور كما تتمنى، هذا الذي عليك، أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك، أقم أمر الله فيما تملك، يكفيك ما لا تملك، لا المسلمون يقصرون فيما يملكون، يتطلعون إلى ما لا يملكون.
مشكلة الناس: لو تصورنا طالباً داخلاً بمدرسة راقية جداً، وهو مكلف أن يطالع ويدرس، وهناك غرفة مطالعة راقية جداً مكيفة، ومراجع وأساتذة، وذهب إلى المطبخ، وقال: أنهيتم البصلات؟ هذا ليس من شأنك، أنت عند الساعة الثانية يأتيك الطعام بالتمام والكمال، ارتح، وادرس، تركت دراستك، ولحقت عمل غيرك!؟ ما أنت مكلف به قصرّتَ فيه، وما لست مكلف فيه تحشر أنفك فيه؟.
هذه مشكلة الناس، يزهد فيما تستطيع، ويتطلع إلى ما لا يستطيع، وفي النهاية ما فعل شيئاً، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، هناك ملمح رائع في الآية: أنت حينما تأخذ ما آتيتك، سيأتيك الخير والبركة والتوفيق فاشكر: ﴿فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
هناك نقطة في العقيدة: كن توحيدياً، فسر الأمور تفسيرا توحيديّا.
بالملخص: أنت راكب في سيارتك، تألق ضوء أحمر بلوحة العدادات، تألق أو ما تألق، تألق أكيدا، رأيته أنت، أين بطولتك؟ بفهم سبب تألقه، إذا توهمت أن هذا ضوء تزييني احترق المحرك، هذا ضوء الزيت، إذا فهمت القضية تزيينية، تسلية لك في الطريق، أشعلوا لك ضوءا أحمر، هذا أسوأ فهم لهذه الحادثة، وإن فهمت أن هذا ضوء الزيت تقف، ولم يحصل شيء، فبين أن تقف وتصب الزيت ما كلفك شيء، بين أن تدفع خمسين ألفا احترق المحرك!؟ من أين جاءت الغلطة؟ من سوء فهم هذا الضوء، فهمت الضوء فهما تزيينيا، احترق المحرك، فهمت الضوء فهما تحذيريا وقفت، فالبطولة: بإدراكك أن الضوء تألق أو ما تألق، لا، ليست هنا البطولة، تألق أكيدا، رأيته تألق، البطولة في تفسيرك لهذا الـتألق.

موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية

التعليق