جهاد المنسي

منطقتنا الرمادية تتوسع

تم نشره في الأحد 18 حزيران / يونيو 2017. 11:03 مـساءً

تواصل معي أعزاء متابعون محاورون حول قضايا آنية ظهرت، وأخرى ما تزال تفاعلاتها مستمرة؛ تعيينات لأبناء مسؤولين، دجاج فاسد، وتعديل وزراي مباغت، وما عرف بالإعلام بـ(حادثة ناعور) عندما قرر متصرف اللواء مداهمة مطعم سياحي، وتصوير طلاب مفطرين، ومنع "مشروع ليلى" من العرض. وكان الرأي عندهم أن تلك قضايا لا يتوجب المرور عنها مرور الكرام لأنها تؤشر لمستوى التراجع الذي وصلنا إليه في الإصلاح والمساءلة والشفافية وحرية الرأي والتفكير.
ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين يدفعنا لمطالبة الجميع بعدم التوقف عند قضية واحدة دون رؤية الأمور بشكلها الأوسع والأشمل، ونقل الحوار لدائرة أوسع من تعيينات وجدت نقدا، ومداهمات أعادتنا لفكر (الحسبة)، ومساجلات بين وزراء كشفت حجم الفرقة بين أبناء الفريق الواحد، فكل ذاك يثبت أن حكومتنا ما يزال يستهويها الوقوف في منطقة رمادية غير مستقرة، ويفتح الشهية لسؤالها (الحكومة) أين تريد أن تتوقف في قضايا الإصلاح والشفافية والحريات العامة؟، وهل تريد الحكومة حقا الوصول لدولة عصرية مدنية تستند  للقانون وسيادته؟ وأن تكون المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص، والشفافية حجر الارتكاز بالتعامل مع كل الأمور؟.
إن أرادت السلطة التنفيذية الخروج من منطقتها الرمادية فعليها أولا وقبل كل شيء التخلص من فكر الأعطيات والتمييز بين الناس، إذ إن الدولة كفكرة وفلسفة هي نتاج بنائي يشمل الجميع، وبعد اجتماعي إيجابي له دوره ووظيفته، وإنما تأكيد على أن التطور الطبيعي للعشائرية هو الذهاب للدولة الحضارية بكل مكوناتها.
إن اختارت الحكومة بناء الدولة المدنية الحديثة فإن ذاك يعني التوافق على إعادة النظر بكل القوانين التي تؤسس لذلك، وأبرزها تعزيز مبدأ المواطنة والعدالة، ووضع فكر الإقصاء جانبا، والتأسيس لفكرة المواطنة وسيادة القانون دون تمييز، والتوقف عن إغداق العطايا وخلافه من آليات كانت سببا في بروز أشخاص يحملون فكرا إقصائيا يتعاملون مع الأردن باعتباره لهم وحدهم ولا يجوز لأحد مشاركتهم فيه، وفي الأثر غابت الثقافة الحضارية والفكر التنويري.
وقبل ذاك فإن الحكومة باعتبارها صاحبة الولاية ومعها المواطنون بكل ألوانهم يتوجب عليهم تجريم فكر الواسطة والمحسوبية ومحاسبة من يقوم بها، وسن قوانين ضد الكراهية، وتجرم من يستخدم الكراهية بخطاباته أو حواراته، فالأردن تعيش فيه أطياف مختلفة، فالمسيحي ليس آخراً، وإنما شريك في الوطن.
ببساطة عندما نخرج من منطقتنا الرمادية الحالية ونذهب لبناء دولة عصرية مدنية لن نصطدم بأفعال فردية لا تستند للقانون، وسيكون القانون هو الحكم الذي يفصل بين الناس، ولا نكون بحاجة لحكام إداريين يتدخلون بيننا، كما أننا لن نقع في جدلية إقامة (حفل ليلى) من عدمه، فالقانون هو مسطرة الجميع، حيث لن يكون بمقدورنا محاكمة الناس على الشبهة، ورفض ما يقدمونه دون أن نعرف ماذا يقدمون!
وفي الدولة الحديثة المدنية لن نصطدم بتعيينات لأولاد ذوات بشكل لا قانوني، وليصدر قانون يمنع الوزراء والأعيان والنواب من تعيين أبنائهم وإخوانهم في مواقع الدولة. ووقتها لن ندخل في مهاترات حول الدجاج الفاسد وغيره، إذ سيترك الأمر للقضاء وليس لمواقع التواصل الاجتماعي لتتحكم فينا بالشكل الذي تريد.
إذا قررنا قولا وفعلا الذهاب لدولة عصرية حضارية، فسنجد أنفسنا قد أرسينا قواعد قانونية مبنية على المواطنة والعدالة الاجتماعية، ونبذ الكراهية والأحقاد الدفينة، ووقف كل ما من شأنه تقويض وزعزعة وحدتنا الوطنية عبر بث خطابات كراهية تنخر فينا دون أن يوقفها أحد، ووقت ذاك سيكون أردننا أقوى منعة وأشد عودا، وأكثر تطورا.

التعليق