محمد برهومة

تنافس على المصالح والصفقات

تم نشره في الخميس 22 حزيران / يونيو 2017. 11:07 مـساءً

بأغلبية ساحقة، أيّد مجلس الشيوخ الأميركي، قبل أسبوع، تشريعا يفرض عقوبات جديدة على إيران وروسيا. المشروع يحرم الرئيس دونالد ترامب بعض صلاحياته المعهودة في مجال السياسة الخارجية، ضمن هذا المعنى يأتي تحديد القرار آلية لإجبار الرئيس على الحصول على موافقة الكونغرس قبل تخفيف أي عقوبات قائمة، وفي ذلك قطعٌ للطريق، وبخاصة من قبل الديمقراطيين، على أي نوايا ترامبية لتخفيض العقوبات على موسكو أو تحسين العلاقات معها، وهي مسألة باتتْ في صلب الصراع السياسي في أميركا، وأصبحت تتصاعد أكثر فأكثر، ويتصدى لها جمهوريون وليبراليون وديمقراطيون، بما ينمّي التيار الصقوريّ تجاه روسيا في الكونغرس.
ومن المهم ألا نفصل تنامي "الصقورية" حيال موسكو، عن تنامي التوتر في العلاقة الأميركية-الأوروبية، وعلى الأقل من طرف ألمانيا. فلقد دأبت الإدارات الأميركية السابقة على التشاور والتنسيق مع الشركاء الأوروبيين حال فرض أي إجراءات عقابية على موسكو أو إيران أو كوريا الشمالية وغيرها، وهو ما لم يتمّ في الحزمة الأخيرة من مشروع العقوبات الأميركية على روسيا وإيران، الأمر الذي استوجب انتقادات من طرف برلين، التي ذكرت أنّ مسألة تزويد روسيا أوروبا بالغاز يخصّ أوروبا وحدها ولا علاقة لأميركا به، وذلك في إدانة ألمانية لفرض عقوبات أميركية على قطاع الغاز الروسي الذي يصل إلى أوروبا.
المؤكد أن التنافس على المصالح والأرباح والصفقات هي في صلب التباين والاختلاف بين أميركا-ترامب والشركاء الأوروبيين، ولقد دعت ميركل واشنطن إلى عدم الربط بين العقوبات كأدوات سياسية وبين توظيفها كجزء من التنافس على المصالح التجارية بين أميركا وأوروبا، وكان الانسحاب الأميركي من اتفاقية باريس للمناخ مناسبةً للرئيس الفرنسي المنتخب إيمانويل ماكرون لكي يدعو العلماء والباحثين الأميركيين في حقل الطاقة البديلة والمتجددة للقدوم إلى فرنسا إذا ما ضاقت بهم أميركا!. في هذا "يبثُّ" ماكرون على "موجة ميركل" نفسها، فيما خصّ ضخّ الاستثمارات في الطاقة البديلة والاستعداد لطور جديد من الثورة ما بعد الصناعية، يترافق مع ما تستثمر فيه برلين في مجال الثورة الرقمية، وتعُدّه رسمياً "ثورة صناعية رابعة". ولا غرو أن تكون ميركل من أكثر المبتهجين بنتائج الانتخابات الفرنسية، بما تعنيه من كبح للشعبوية الأوروبية، وبما تعنيه من دعم للديمقراطية الليبرالية، ومن تعزيز لمحور برلين-باريس في وجه استخفاف ترامب بالشركاء الأوروبيين. وقد لا يكون مجانباً للصواب الأخذ بعين النظر أن العقوبات الأميركية الأخيرة على موسكو إنما تأتي في سياق رغبة الكونغرس في تعزيز صادرات الطاقة الأميركية إلى أوروبا على حساب الروس.
 الأزمة الخليجية بين الرياض وأبو ظبي والمنامة من جهة والدوحة من جهة ثانية، قد لا تكون بعيدة عن أجواء التنافس الأميركي-الأوروبي، ولقد ذهب خبراء في مجال الطاقة إلى أن أميركا، التي بنتْ العديد من محطات الغاز القابل للتصدير، قد تجد في الأزمة الخليجية فرصة ما في منافسة الغاز المسال القطري، في وجهته الأساسية في حوض الباسيفيكي. والواضح أن العواصم الأوروبية الكبرى تحاول أن تأخذ جانب "الحياد الإيجابي"، إلى حد ما، في الأزمة الخليجية، كي لا تخسر الاستثمارات التجارية المهمة لجانبي الأزمة في أوروبا، وبخاصة في بريطانيا وفرنسا.
الخليج حاضر أيضاً في التنافس الأميركي-الأوروبي من جهة عدم تشجّع برلين لمزيد من العقوبات على طهران لسببين أولهما أن ألمانيا، المتحمسة لاستمرارية العمل بالاتفاق النووي الإيراني، حريصة على انسيابية إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، وثانيهما أن الصفقات الضخمة التي تمتْ بين دول الخليج وإدارة ترامب كانت حسماً من المنافع والمصالح الأوروبية في الشرق الأوسط، وهو ما ينبغي لدول الخليج أن تأخذه بالحسبان، في سياق التنويع الحقيقي للشراكات الاستراتيجية.

التعليق