مسجد "الجبهة الشعبية"

تم نشره في السبت 24 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً

التفاصيل .. التفاصيل .. آلاف الصور والمَشاهِد تظلُّ تطلُّ برأسها من الذاكرة ولا تموت. وحين تعيش في "المخيم" أزيد من أربعين سنة، فإنك لن تَنسى.
كان هناك مسجد صغير في آخر الشارع الذي خلف مدارس الوكالة، وكان اسمه "مسجد الجبهة الشعبية"، اختلف الناس في سرّ التسمية، منهم من قال إنه كان من مقرات الجبهة قبل رحيلها وحين أخلته استعمله الناس للصلاة، ومنهم من قال ان الجبهة بنته لاستمالة الناس، ولتدفع عن حالها ما كان يتداوله البسطاء من انها جبهة "كافرة" و"ملحدة" ! ومنهم – وهؤلاء الأغلبية - مَن لم يكن يتوقف عند الاسم، أو يستنكره، فالدين أيامها لم يكن قد أصبح أيديولوجيا بعد، أو في مواجهة مع أصحاب المشروع الوطني.
وظلَّ الناس يُسمّونه بينهم بمسجد الجبهة حتى تمت تسميته رسمياً بـ"المسجد الجنوبي"، لوقوعه جنوب المخيم !
كان لي صديق اسمه ابراهيم، يسكن بجوار المسجد، أحاول منذ أيام تذكّر اسمه الثاني، ولم أفلح، فصداقتنا امتدت فقط من الأول ثانوي لسنة أو أقلّ، كان ماركسياً يطلق لحيته التي لم تزد عن عدة شعرات بعد، ويضع لفحة حمراء دائماً، ويدخن الغليون، وكان يلحّ عليَّ أن أصير "شيوعياً" !
اختفى ابراهيم، وبعد خمسة وثلاثين سنة رأيته مصادفة في السوق، كانت له لحية جديدة، يحمل مسبحة، ويصحب حفيديه معه، وثلاثتهم يلبسون دشاديش ناصعة البياض !
والحديث يجرُّ الحديث .. أتذكر زميلاً مثقفاً وماركسياً متشدداً، عملنا معاً في إحدى الصحف لسنوات، وكان يسخر مني متهكما كلما قلتُ "إن شاء الله" أو استغفرت، ثم هاجر للعمل في قناة "الجزيرة"، ولم أسمع أخباره لسنوات، .. لاحقاً قرأتُ اسمه في غمرة المتحمسين للدفاع عن "مرسي"، وعلمتُ أنه قد أدّى العُمرة !
وأنا شخصياً كنتُ في صغري مبهوراً بحياة اليساريين ولكن ليس بأفكارهم، فقد أحاطوا أنفسهم بهالة من البطولة الاجتماعية، وكسر التابوهات، وبذلك الغموض "اللذيذ"، والطقوس الساحرة، وأغاني الشيخ إمام .. فاستقرت أموري أن أفكر في السياسة بالشق اليمين من رأسي، وأفكر في الحياة بالشقّ اليسار، وهي مسألة منهكة .. وجد لها "الأذكياء" حلّاً عبقرياً لاحقاً حين اخترعوا ما أسموه بتيارات اليسار الاجتماعي !
وبعض هذه التيارات أفسحت المجال لكثيرين من المنتسبين الذين لم يقرأوا كتاباً واحداً، لا في اليسار ولا في غيره، ولكنهم مثل كثيرين من أسلافهم دخلوا اليسار من باب التمرد على التقاليد وكسرها، والانفتاح الاجتماعي والحريات ووو ...
وهنا أتذكَّر حكاية جارنا "أبو انور"، صاحب النوفوتيه، الذي كان يصلي الصلوات الخمس في "مسجد الجبهة الشعبية"، وحاول عديلُه بسام إقناعه مراراً وطويلاً بالانضمام "للحزب الشيوعي"، وحين يئس منه، قال له في فورة غضب " يا أخي على الاقل ما تصلّي في مسجد الجبهة .. هدول كفّار" ! حيث كان الخلاف محتدماً حينها بين "الجبهة" و"الحزب الشيوعي".
تذكرتُ كل ذلك .. وأنا أقرأ الأسبوع الماضي ما قيل أنه بيان "الجبهة الشعبية" عن تبني عملية القدس، التي استشهد فيها الشبان الثلاثة، بعد طعن شرطية، في باب العامود، ومحاولتي فهم المغزى في تسمية العملية بـ "وعد البراق"، والمدلول الديني الصارخ في التسمية، والذي
يمكن تفسيره باتجاهات وتحليلات شتى .. لكنه ومن باب افتراض حسن النية لدى الرفاق يبدو أسلم الاحتمالات وأقلها ضرراً هو أن "الجو الرمضاني" كان طاغياً على من كتب البيان واختار الاسم، وليس المقصود بالمرّة مسايرة تحوّلات الشارع والاستثمار فيها !
تماماً مثلما سنفترض أن البلدية، حين غيَّرت اسم الشارع الى "شارع سميَّة" .. أول شهيدة في الإسلام، لم تكن تقصد مسايرة "الإخوان" الذين جاؤوا بعد سنوات طوال وبنوا مسجدهم الرئيسي، بعيداً مئتي متر عن مسجد الجبهة !

التعليق