أجمل الفلسفة في وصف العين

تم نشره في الاثنين 17 تموز / يوليو 2017. 12:04 صباحاً

"ولنا في الجمال الفني دليل إلى ذلك. المادة ليست جميلة بحّد ذاتها. هي ليست جميلة، بادئ ذي بدء، لو لم يكن ثمة إنسان يُجمّل. وما الذي يثبت أن البحر جميل بمعزل عن الكائن البشري؟ الجمال صفة. والصفة تقتضي واصفاً وموصوفاً. لا شك في أن الموصوف شيء. يبقى أن الواصف هو لا شيء. هو وجدان واع. هو إنسان. لا نعني بهذا أننا مثاليون فحسب. لا مثالية بدون واقعية. لا جوهر بدون وجود. نريد التشديد، فقط، على وجوب المثالية للواقعية. لا واقعية بدون مثالية. لا وجود بدون جوهر. تلك المثالية هي من عنديات الإنسان. الإنسان هو الذي يُمثلِن الواقع. الواقع لا يمثلِن ذاته. الواقع ضامر. شحيح. ساقع. المَثلَنة ترفعه إلى فوق.
لنأخذ العين. ما هي العين؟ العين شيء. ومن وجه أنها شيء، أي عين، لا تقول شيئاً. لا ترمز إلى شيء. لا تجوَّد. لا تشعشع نيات. هي ما هي. هي لحم شاحم. هي كالخشبة الملقوحة، هناك، في الزاوية المهملة. لذا يشعر الإنسان حيالها بأزمة روحية، لأنها (من حيث كونها وجوداً شيئياً) لا تثير في لطيفتنا البشرية قضية من القضايا، التي تنخع الرأس، وتفكفك خرزات الظهر. هذه العين الشاحمة قرف عن كثب، لأنها تمارس عينيتها بدون إيعاز من وراء وجودنا المطبق. لقد حُدّتْ في نطاقها البدني. إن عيناً كتلك هي عين بشعة. لا جمال فيها، ولا بهاء، ولا سناء. هي عين لا يريد أحد أن يكتفي بها. ولن يكتفي.
ثم يأتي الخيال المجوهر ليرقي بها عن وجودها المادي.. أي ليعلو بها نحو الجوهر، الذي تتساقط منه المعاني. إذ ذاك تصبح رمزاً. تصبح نظرة. والنظرة ذات رسالة. تصبح قضية. تصبح لغزاً، يبرق نبأً، ويشيع نوراً. المدهش في العيون هو النظرات التي تعني. العيون ذاتها لا تعني. النظرات هي التي تعني. والنظرات خيال. والنظرات هي التي تجذب. هي التي تتناوبها القوة والعذوبة. العيون لا تشعر، ولا تفكر، ولا تتمتع، ولا تترنم، ولا تعسكر فيها الأحقاد والحفائظ، ولا تغزر في شعابها الأسرار. النظرات، الدافقة من العيون كتعاويذ، هي التي تذكرك بصفاء السماء. هي التي يرقد فيها عمق اليموم. هي التي تريك مفاوز الصحراء وسرابها. هي التي تعرج بك في ملكوت أثيري كله بهاء. وهي التي تتمعن وتتبصر. وهي الرحيبة البطيئة أو الضيقة السريعة. هي الملهبة المحرقة. هي التي تتكاثف عليها أغشية الخمول. هي التي تتسع أمام من تحب، وتنكمش لدى من تكره. هي التي لا تفتأ سائلة "من أنت؟"، وكلما أحببتها زادت استفهاماً. وهي التي تقرر بلحظة "أنت عبدي".
هي التي تصرح "بي احتياج إلى الألم، أليس من الناس من يتقي تعذيبي؟". وهي التي تقول "بي حاجة إلى الاستبداد فأين ضحيتي؟". هي التي تبتسم وتتوسل. هي التي يشخص فيها انجذاب الصلاة وانخطاف المصلي. وهي التي تظل مستطلعة خفاياك قائلة "ألا تعرفني؟". وهي التي يتعاقب في سيلانها كل نفي وكل إثبات. أجل، قم إلى مرآتك، وانظر في الخيال في نظراتك، وتفرس في عمق أعماقها، تتبين الذات العلمية التي ترصد حركات الأنام، وتساير دورة الأفلاك والأزمنة. في نظراتك المتخيلة ترى كل مشهد وكل وجه، وكل شيء، رحم الله مي الأديبة اللبنانية. لقد خلطت بين وجود العيون وجوهر النظرات.
الخيال، إذن، هو الذي يجوهر الوجود، فتنور المادة، وتشعشع. هو الذي يضع الجمال في الوجود، فتزنبق الجمادات، ويعبق أريجها. انه كالمضخة، التي ترش المعاني على الوجود السكيت، فيتحرك ناطقاً. الوجود الشعشعاني هوة وجود جوهرة الخيال".
يتمتع القارئ الفهيم بهذه (المقالة) المستمدة بالنص من كتاب المفكر والفيلسوف اللبناني كمال يوسف الحاج: بين الجوهر والوجود – الطبعة الأولى – بيروت، 1958.

التعليق