د.باسم الطويسي

ماكنة الدولة

تم نشره في الاثنين 17 تموز / يوليو 2017. 12:03 صباحاً

صب الزيت على أسنان الماكنة بين وقت وآخر قد لا يكفي وحده كي تعود للدوران بقوة، ثمة أزمة مزمنة في الإدارة العامة يتم الاعتراف بها بين وقت وآخر دون أن يتم تجاوز عتبة الحديث. كنا إلى وقت قريب نحسب أن أحد عناصر قوة الدولة الأردنية يكمن في قوة التكنقراط الحكومي بالمقارنة مع ضعف الطبقة السياسية، هذه الفرضية تحتاج إلى مراجعة سريعة وهادئة، فهناك شواهد كثيرة تدل على أن التكنقراط الحكومي لحقه الضعف، ولم يعد يمثل أسنان ماكنة الدولة التي تدور بقوة من أجل التقدم، فإبداع الحلول غير التقليدية ليس مجرد شعار بل يحتاج الاعتراف بكل مصادر الضعف ووصفها بشكل علمي دقيق. 
برزت شعارات سياسية عديدة خلال آخر عشر سنوات تحدثت عن ثورة إدارية بمختلف الألوان، وفي النوابا الحكومية كلام مرسل وجميل عن استعادة كفاءة الجهاز الحكومي، وللإنصاف حدثت خطوات مهمة في السنوات القليلة الماضية، لكنها لم تمس إعادة بناء النخبة التكنقراطية على أسس جديدة تراعي التطور الاقتصادي والاجتماعي وحاجات الدولة وضرورات التحديث ومواجهة التحديات والأزمات الخانقة.
ازداد التوظيف السياسي للقانون، ما جعل الإدارة العامة رهن إشارة الطبقة السياسية وتحت هيمنتها، وظهرت أجيال من السياسيين لدينا أبدعوا في وضع القانون على الرف تحت ذرائع  وحجج تتلخص برؤيتهم للصالح العام، وفي سياق من خطاب الولاءات الذي ذهب للاستهلاك المحلي، ولدى الكثيرين منا أمثلة عديدة وفي ملفات كثيرة تقول لو كانت مسطرة القانون تعمل لما وصلنا إلى هذا وذاك؛ فمسطرة القانون هي الزيت الحقيقي الذي تحتاجه ماكنة الدولة.
يبدو أن الاختلال لا يتوقف على تكوين النخب، بل ينسحب إلى وقوف النخب التقليدية في وجه تحديث المؤسسات، فيما يتبع ذلك فجوة بين إدراك مصادر الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبين القدرة على تطوير الحلول والبدائل، حيث عمل التراكم السلبي لهذه الظاهرة على المساهمة في ضرب العلاقة بين المجتمع والدولة في العمق، فالدولة تعرف نفسها وتبني الثقة بنخبها وبإنجازاتها، فيما سيبقى استمرار ظاهرة الخوف من التكنقراط التقليدي أحد مصادر التأزيم التي ستجعل المجتمع والدولة يدفعان ثمن استمرارها. علينا أن ندرك حجم الأزمة في صناعة السياسات العامة وإنضاجها، والمتمثلة في الارتجال في بعض القطاعات، وعدم بناء خبرة وطنية في قطاعات أخرى؛ وكذلك في ضعف أدوات المشاركة في بناء السياسات العامة. علينا أن نطرح أسئلة أكثر عمقا لماذا فشلنا في دفع الجامعات كي تتجاوز أزمتها المزمنة؟ ولماذا فشلنا في الخروج من الحلقة المفرغة في أزمة البطالة والعمل؟ ولماذا فشلنا في الاستجابة لتحدي سوق السياحة الإقليمي والدولي؟ ولماذا فشلنا في تطوير حلول ملائمة في النقل العام؟ ولماذا فشلنا في تنمية المحافظات؟ وقس على ذلك قطاعات ومؤسسات أخرى عديدة.
التكنقراط هم عصب الدولة وعمودها الأساسي، ودورهم قد يتجاوز أدوار السياسيين، وعليهم مهمة إنضاج السياسات العامة ووضعها موضع التنفيذ. والدولة الراشدة هي من تبقي هذه الطبقة تحت المجهر دوما. المهم في الأمر قدرة الإدارة العامة على التعافي، ومؤشر هذا التعافي يتمثل في القدرة على التصحيح الذاتي، أي أن يكون الجهاز العصبي للدولة على درجة من اليقظة، وهذا ما افتقد في الكثير من القطاعات والمؤسسات.

التعليق