التعليم النهضوي.. آفاق واسعة لنهضة تربوية (3 - 5)

تم نشره في السبت 22 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في السبت 22 تموز / يوليو 2017. 11:49 مـساءً
  • الدكتور ذوقان عبيدات - (ارشيفية)

إعداد: مجتمع النهضة التربوية *

إن المعلم أبرز أدوات تحقيق أهداف التعليم النهضوي، ويشكل كجزء من المنهج الحلقة الأساسية للنهضة التربوية، وهما المسؤولان عن تحقيق النهضة وتحقيق النقلات الآتية: - من معلم يعلم إلى معلم يتعلم. - من معلم ناقل إلى معلم بانٍ. - من معلم يراعي المنهج إلى معلم يراعي مبادئ عمل الدماغ. - من معلم فرد إلى معلم في مجتمع متعلم. - من معلم حامل للتراث إلى مجدد للتراث. - من معلم منعزل عن المجتمع إلى معلم متفاعل. - من معلم موظف إلى معلم صاحب مهنة.
وتتطلب هذه النقلات تغييرات اساسية في إعداد المعلم وفي استراتيجيته للتدريس والتواصل مع الطلاب. إن ممارسة أو تحقيق النقلات تتطلب من المعلم أن يعكس كثيراً من أدواره. فالمعلم ليس هو من يتحدث طوال الوقت. والمعلم ليس هو من يقتصر دوره على الشرح والتوضيح. والمعلم ليس هو صاحب المادة المنعزلة عن المواد الأخرى. والمعلم ليس من يكتفي بالحفظ والتذكر. والمعلم ليس هو سيد الحصة وصاحب القرار فيها.
وسنوضح فيما يأتي الانتقالات اللازمة:
أولاً: من معلم يعلم إلى معلم يتعلم.
إن الدور التقليدي للمعلم هو في تعليم الطلاب بما يتضمن ذلك من نقل المعارف وتوضحيها أو زرع الاتجاهات والقيم أو بناء المهارات، وهذا الدور لن يتم إذا توقف المعلم عند حدود ما يعرف، فالمطلوب من المعلم أن يمارس دور المتعلم. وهذا الدور يتطلب منه ما يأتي.
- وضع خطة لنموه المهني، بحيث يكون قادراً على متابعة المعارف والمهارات الجديدة وخاصة في مجالات المناهج والتدريب والاتجاهات والاستراتيجيات الحديثة في مجال عمله. - العمل المستمر على إدارة معارفه، بحيث يعمل على انتاج معارف جديدة في مجال عمله من خلال البحوث والتجارب وتبادل الخبرات والتأمل والاطلاع.. الخ. - العمل مع زملائه المعلمين من خلال تشكيل أطر وعلاقات تسمح له بتبادل المعرفة. - التعهد بقراءة ما يستجد من معارف -ما أمكن، في مجال التدريس أو مجال التخصص. - تأمل عمله اليومي، وكتابة مذكرات مهنية يومية تساعده على فحص أدائه باستمرار. - إقامة شبكة من العلاقات تسمح له بتلقي تغذية راجعة من مصادر متعددة.
ثانياً: من معلم ناقل
 إلى معلم بانٍ:
المعلم الناقل هو المعلم التقليدي الذي يرى دوره في نقل المنهج ومحتويات الكتاب الى الطلاب، بينما المعلم الباني هو المعلم الذي يهدف الى بناء خبرات الطالب وبناء شخصيته وهذا الدور يتطلب من المعلم ما يأتي:
1- الثقة بالطالب واحترام قدراته وميوله وأنماط تعلمه، وأنواع ذكاءاته، بما يسمح للطالب بأن ينمو وفق واقعه وامكاناته.
2- إعداد نماذج لأنشطة تعليمية يشترك الطالب في اختيارها وبنائها، بما يسمح لكل طالب بأن يعبر عن نفسه وأن يشارك في اختيار تفضيلاته التعلمية.ش
3- إيجاد مواقف يتمكن فيها الطالب من بناء خبراته والتفاعل مع المعارف المختلفة، بحيث تصبح المعرفة أو تتحول عملية التعلم من نقل معلومات الى بناء معارف وخبرات، وتتحول المعارف والخبرات الى جزء من شخصية الطالب أو ما يسمى "تذويت" المعرفة.
4- نقل الطلب من مجرد تلقي المعلومات الى معرفة كيف ينتج المعلومات وكيف يستخدمها ويطبقها في حياته العملية، وهذا يتطلب من المعلم التركيز على المهارات العملية. وتأكيد مهارات تطبيق المعارف في الحياة العملية، لأن خبرات الطالب لن تتم الا من خلال اتقانه مهارات استخدام المعارف وتطبيقها.
5- تصميم مواقف تقود الطالب الى التعلم الإتقاني بمعنى ان الطالب يستطيع:  تحويل المعلومات الى معارف. وتخزين هذه المعارف في الدماغ بشكل منظم. والقدرة على استدعاء هذه المعارف. وتطبيق هذه المعارف في مواقف عملية وفي أي وقت، واخيراً القدرة على نقل ما تعلمه الى الآخرين. ان التعليم الإتقاني يتطلب معلماً قادراً على تصميم مواقف تعليمية ووضع الطالب امام مشكلات حياتية.
6- تصميم مواقف ومشكلات وتحديات تعليمية تناسب ذكاءات وأنماط الطلاب، وهذا يتطلب  تطوير مهارات المعلم ليكون قادراً على تحويل انشطة الدرس من لغوية الى بصرية وحركية ورقمية واجتماعية وتأميلية وايقاعية.
ثالثاً: من معلم مهتم بالمنهج إلى معلم مهتم بالطالب:
ان نقل اهتمام المعلم من المادة الدراسية الى الطالب يتطلب ان يفهم المعلم المبادئ الاساسية لعمل الدماغ والبيئة المناسبة لعمل الدماغ. فالدماغ يستهلك كمية كبيرة من الاكسجين، إذا لا تعلم دون اكسجين، والدماغ يتطلب استهلاك الماء والغذاء، فلا تعلم دون غذاء جيد ومياه شرب نقية، كما ان الدماغ يعمل في بيئة تفاعلية، وبذلك يجب تنظيم الطلاب في مجتمعات متعلمة.
ويمكن تحديد مبادئ عمل الدماغ وفق البحوث الحديثة للدماغ بما يأتي:
1 - قدرة المعلم على ربط مادة التعلم باهتمامات الطالب وحاجاته الاساسية والتحديات والمشكلات التي يواجهها. فإذا كان الطالب مثلاً رياضياً فإن على معلم الرياضيات ان يحدثه عن مساحات الملاعب وأشكالها وسرعة اللاعبين واوقات اللعب.. الخ، وعلى علم العلوم ان يركز على سلامة الملعب والشروط الصحية للعب. وعلى معلم اللغة ان يعطي تمريناته اللغوية مستثمراً جملاً ومفاهيم من الرياضة.. وهكذا.
2 - قدرة المعلم على ربط مادة التعلم بالحياة العملية وادماج جميع حواس الطالب في علمية التعلم، وهذا يتطلب ان يستخدم المعلم ادوات متعددة كالنماذج والعينات وتصميم المواقف التمثيلية المشابهة للحياة، او إدخال الحياة الى الصف او الذهاب بالصف الى الحياة العملية في الخارج.
 ان ارقى اشكال التعلم هي ان يتعلم الطالب في بيئة الحدث. فإذا أردنا ان نعلمه عن البنوك نأخذه هناك، واذا أردنا ان نعلمه عن البحر او الغابات نأخذه هناك، ولعل استخدام التكنولوجيا تمكن المعلم من اختصار بعض هذه الاجراءات.
3 - قدرة المعلم على توفير الوقت الكافي للتعلم. فالطالب او دماغ الطالب يحتاج وقتاً لتعلم المهارات او حتى المعارف، ولذلك يجب على المعلم توفير الوقت باستخدام اساليب مثل، التركيز على الأساسيات، وتقديم الدروس في الاوقات المناسبة، وإكساب الطالب مهارات التعلم الذاتي.
4 - ويحتاج دماغ الطالب الى الحركة، ولذلك يهتم المعلم بتوفير انشطة حركية او ترجمة بعض المواقف الى حركات، ومن هنا فإن إبقاء الطالب جالساً فترة ما يقلل من قدرة دماغه على التفاعل مع المواقف التعليمية.
5 - ويحتاج دماغ الطالب الى تلقي تغذية راجعة لما يقوم به من نشاط وهذه التغذية يفترض ان تكون تغذية وصفية وفورية تقدم للطالب فور قيامه بالنشاط، كما يفترض ان تكون تغذية غير نقدية او مهددة او محبطة.
6 - والدماغ يعمل بفعالية اذا كان ضمن الجماعة، حيث تتفاعل عقول كثيرة، وتشكل ما يسمى بمجتمع او بعمليات عصف ذهني، ومن هنا كانت مسؤوليات المعلم تقتضي تنظيم انشطة الطلاب بما يسمح بعمل تعاوني او عمل فريق.
رابعاً: من معلم فرد إلى معلم عضو في مجتمع:
إن قيم التعلم المستمر والمشاركة تتطلب ان ينتظم المعلمون في مجتمعات متعلمة، يتبادلون فيها خبراتهم، يخططون اعمالهم معاً، يعملون معاً، يقيمون اعمالهم معاً، فلم يعد المعلم الفرد نموذجاً للمعلم النامي او المعلم النهضوي، فلا بدّ من انضمامه الى مجتمعات متعلمة مثل: 1 - مجتمع تعلم مع زملائه او مع عدد منه. 2 - مجتمع تعلم مع خبراء. 3- مجتمع تعلم مع اهالي الطلاب. 4 - مجتمع تعلم مع الطلاب.
هذه المجتمعات هي بيئة تعلم حقيقية، يتم فيها التعلم من مختلف المصادر.
خامساً: من معلم منعزل عن المجتمع إلى معلم متفاعل:
كانت المدرسة قديماً تبني اسواراً حولها لتعزل نفسها ومعلميها عما يحدث في المجتمع، وكان المعلم في قمة الاشخاص المرموقين في المجتمع بسبب اتقانه مهارات القراءة والكتابة، وبعد ان زادت حاجة الناس الى من يقرأ لهم رسائلهم، لجأوا الى المعلم، فقام بدور تنويري او نهضوي مهم، يساعد الناس ويدعمهم، ونتيجة للتطورات السريعة في حركة المجتمع، عاد المعلم الى عزلة اجبارية هذه المرة. فاختلفت قيمه عن قيم المجتمع، ومع تطور المجتمع والحراك الاجتماعي ارتفعت بعض الفئات ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، وصار المعلمون من الفئات المتوسطة فما دون، ما ولّد لديهم صعوبة في فهم مجتمعاتهم وما يؤمنون به من قيم جديدة.
ان المطلوب الآن الانتقال بالمعلمين الى التفاعل الجاد مع المجتمع من خلال:
1 - وضع شروط للالتحاق بمهنة التعليم بما يشجع افراداً من مستويات مختلفة للالتحاق بالتعلم.
2 - توعية المعلمين بأهمية القيم المجتمعية ودورها في الحياة الحديثة وعدم الوقوف في تناقض معها.
3 - تحسين شروط العمل في التعليم بما يرفع من درجة رضا المعلمين عن أوضاعهم.
4 - ادماج المعلمين في لجان فاعلة في المجتمع مثل لجان البيئة وحماية المستهلك والأعمال التطوعية.. الخ.
سادساً: من معلم موظف إلى معلم صاحب مهنة.
تعرف المهنة بأنها مجموعة من الأعمال والنشاطات التي تمارس ضمن قواعدد مهنية واخلاقية محددة، ان مهناً كالطب والهندسة والمحاماة هي امثلة لمهن يحترمها المجتمع ويحدد شروطاً للالتحاق بها وممارستها، كما تلتزم هذه المهن بقواعد اخلاقية صارمة في اداء عملها مثل الاخلاص وتقديم الخدمة لكل من يطلبها، وتقديم الخدمة المناسبة في اي وقت يحتاج اليها العميل.
كما يحدد لكل مهنة مجموعة من المهارات التي لا يمكن السماح لأي شخص بممارستها الا اذا امتلك هذه المهارات مسبقاً.
 والمطلوب لإنتاج معلم نهضوي:
1 - أن تحدد مهارات مسبقة للمعلم، وان يُعدّ لها مسبقاً قبل الالتحاق بها، دون ان يترك ذلك لعمليات التدريب في انهاء الخدمة. 2 - أن يلتحق المعلمون ببرامج تدريبية مستمرة في اثناء العمل. 3 - ان تحدد القواعد الاخلاقية لممارسة العمل والقائمة على بذل اقصى جهد، وأرقى خدمة دون تمييز حسب اي معيار. 4 - ان ينتظم المعلمون في نقابة تدير شؤون اعمالهم، وتقدم لهم رخصة مزاولة العمل. 5- وهناك شروط اخرى يمكن الارتقاء بمهنة التعليم من خلالها مثل جعل تراتبيته هرمية للمعلمين، وربطها بألقاب علمية معينة.

* د. ذوقان عبيدات\ رئيس وحدة الاستشارات والخبرة بالمجموعة.

التعليق