ماجد توبة

في انتظار حكومة!

تم نشره في الاثنين 31 تموز / يوليو 2017. 12:05 صباحاً

بعقل بارد يمكن اليوم قراءة وتحليل أجواء العاصفة التي تسببت بها جريمة حارس الأمن في السفارة الإسرائيلية الأحد الماضي، وقضى فيها أردنيان غدرا وكراهية واستخفافا عنصريا بأرواح العرب. والعاصفة هنا لم تتمثل فقط في القتل البارد والمستهتر بغطاء "حصانة دبلوماسية" لم توضع أصلا للقتلة ومشتهي الدماء، بل كانت في أفشل إدارة أزمة من قبل حكومتنا، لقضية بحجم وحساسية ما ارتكب من جريمة وتداعياتها!
والعاصفة تم سريعا تلمّس حجم كارثيتها في أول يومين من الأزمة، بالانحدار المريع لمؤشر الثقة بالمؤسسة الحكومية وطغيان شعور عام بالمس بالكرامة الوطنية والشخصية لكل أردني بعنجهية وإجرام كيان الاحتلال، وهو شعور عام لم يخفف من وطأته وغلوائه على النفوس، كما بدا لافتا، إلا الاستدارة الرسمية الجوهرية تجاه إدارة الأزمة والعلاقة مع إسرائيل، التي تصدرها وقادها جلالة الملك، ليملأ فراغا وهوة سحيقة تركتها إدارة الحكومة البائسة للأزمة.
المراقب والمتابع لأمواج أزمة السفارة لمس في تحرك مؤشرها لدى الرأي العام الأردني، أنه سادها في أول يومين حالة من الترقب والغضب الشعبي العارم الموجه أساسا ضد الكيان الإسرائيلي، وضد سفارته في عمان، لكنه لم يطل كثيرا الحكومة والمؤسسة الرسمية، التي خرجت ببعض التصريحات عن منع سفر القاتل الإسرائيلي، وضرورة مثوله للتحقيق القضائي رغم احترام الحصانة الدبلوماسية، والحديث "الإعلامي" عن توفر خيارات أمام الأردن في ضمان تحقيق العدالة. المشكلة كانت هنا في الغياب شبه الكامل للحكومة ورئيسها، مع بعض الاستثناءات المتمثلة بتصريحات مقتضبة لا تغني ولا تسمن من جوع.
الانقلاب في المؤشر الشعبي، الذي أشعل الأضواء الحمراء كان في نهاية يوم الاثنين الماضي، بعد أن صدر تصريح الأمن العام بانتهاء التحقيق الأولي بالقضية، وما ورد فيه من تحميل الطفل المغدور محمد الجواودة المسؤولية وقصة "المفك". بعدها انتقل الفعل والمحرك إلى الجانب الآخر، وتصدر رئيس وزراء الاحتلال، كبير القتلة، بنيامين نتنياهو المشهد، باستقباله الاحتفالي للمجرم وإطلاقه التصريحات المستهترة بكرامة الأردنيين والعرب.
التخبط الحكومي وعدم تقدير خطورة الأزمة وانعكاساتها على الرأي العام الأردني، بقي سيد الموقف يوم الثلاثاء الماضي، فقد استمر غياب الرئيس، رغم عقد مؤتمر صحفي لثلاثة وزراء للحديث حول القضية، فيما صبت تصريحات وزير الداخلية أمام النواب الزيت على النار بوصفه الحادثة بالجرمية والضحية الأول بالبادئ بالمهاجمة والضحية الثاني بالقتيل خطأ.
لم يكن يتوقع الأردنيون موقفا حكوميا بإعلان الحرب على إسرائيل ولا حتى باحتلال مقر السفارة الإسرائيلية أو القاتل نفسه، ولا حتى التهرب من التزامات الأردن الدولية في موضوع الحصانة الدبلوماسية، بل وكان الرأي العام الاردني إيجابيا إلى حد كبير بتقييمه لطبيعة التحرك الدبلوماسي الأردني تجاه الأزمة في قضية المسجد الأقصى، لكن ما جرى في إدارة أزمة السفارة من قبل الحكومة هو في غياب الكفاءة السياسية من جهة، وعدم تقدير حساسية الشعب الأردني في العلاقة مع عدو تاريخي يدنس أقدس مقدساته، ويتجرأ على وصاية قيادته في الحرم الشريف، ويقتل يوميا شعبه الشقيق.
ثم لم تراع الحكومة، رغم قصة الحصانة، أن في القضية ضحيتين أردنيين لم تجف دماؤهما حتى خرج كبير القتلة، المسمّى برئيس وزراء الاحتلال، ليحتفي بقاتلهما ويضرب بعرض الحائط كل مداد أوهام السلام الموقع مع الأردن! فيما بقي أهل الضحيتين الأردنيين دون مواسٍ رسميٍ إلى أن بادر الملك إلى سدّ الفراغ وقيادة الاستدارة الجوهرية في إدارة الأزمة.
أكثر ما افتقده الأردنيون في المرحلة الأولى من هذه الأزمة، وما تركهم تحت وطأة شعور بالقهر وجرح الكرامة، هو في غياب الحكومة عن المشهد الذي احتلته الضحكات المستفزة لنتنياهو وكيانه! في انتظار الحكومة كان مؤشر الثقة الشعبية ينحدر حتى القاع.. قاع سحيق قد يصعب عليها الخروج منه!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »النواب لماذا تجاهلتهم (مواطن عادي)

    الاثنين 31 تموز / يوليو 2017.
    المشهد الذي صورته ناقص فهناك نواب وقفوا بوجه الحكومة وكشفوا عوراتها التي لا تعد ولا تحصى ولا ادري لماذا هذا الحرص على عدم الاشاده ببعض النواب الذين يقفون مواقف مشرف%