البنوك الإسلامية ومتلازمة المرابحة: نحو اقتصاد تشاركي

تم نشره في الأحد 6 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

د. جمال الحمصي*

تعاني معظم الدول العربية في المرحلة الراهنة من نمو متواضع وبطالة مزمنة ومرتفعة، خصوصا بين الشباب الحاصل على تعليم عال. هذا الوضع يجعل من تحقيق مستويات أعلى من النمو والتوظيف هدفا تنمويا ذي أولوية في الخطط والبرامج والرؤى الوطنية. في ظل هذه الظروف، فان للأسواق المالية والمصرفية دورا أساسيا في الاقتراب من حالة النمو المستدام والتشاركي، بما فيها البنوك الاسلامية التي تتمتع عادة بفوائض وسيولة عالية.
ولابد بداية من التأكيد بأن الهدف الأساسي من المقال هو السعي لتطوير استراتيجية عمل المصارف الإسلامية وتنويع محفظتها في المستقبل باتجاه المبدأ الإسلامي الأصيل والمتفق عليه في التمويل الإسلامي وهو مبدأ المشاركة في المخاطر الاستثمارية في الاقتصاد الإسلامي، وهي صيغة أقرب إلى الاقتصاد التشاركي القائم على التمويل بالملكية Equity-Based .
وهذا التطوير والتنويع الاستراتيجي المقترح سيخدم ليس فقط البنوك الإسلامية واقتصاديات العالم العربي والإسلامي بل الاقتصاد العالمي أجمع، خصوصا بعد الاهتمام الدولي المتزايد بنظم التمويل الإسلامي التشاركي من ناحية المبادئ والتطبيقات بعد الأزمة المالية العالمية المعاصرة، بما فيها مؤخرا المؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين. ويمكن اعتبار التمويل التشاركي الإسلامي إضافة نوعية هامة لنموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي”.
فمع اقرار العديد من الباحثين على الدور الايجابي للبنوك الإسلامية في تأمين وظيفة التوسط المالي لشريحة واسعة من الأفراد والشركات التي تلتزم بخيارات مصرفية غير معتمدة على الفائدة، لكن هنالك في المقابل اجماعا بأن صيغ التمويل المعتمدة على المشاركة في الأرباح والخسائر هي أكثر تحقيقا لمقاصد الشريعة في المال من صيغة المرابحة وتحديدا مقاصد: المشاركة في الغنم والغرم وتوزيع أعباء خسائر المشروع عند تحققها لأسباب قاهرة، والتكافل والتعاون في خلق الثروة وتنميتها، ودوران المال وعدم حصره بمن لا يحتاجه من خلال توجيه الخدمات الاقراضية لمن يملك الملاءة المالية والضمانات المطلوبة ومن لا يملكهما، وتعزيز تكافؤ الفرص بين الأفراد، ومكافحة الفقر وتمكين الفقراء من خلال التوظيف الذاتي وتحقيق الكفاية التامَّة للفرد في حياته المعيشية.
ورغم أن البنوك الاسلامية تمكنت خلال العقود الأربعة الماضية من النمو السريع وتجاوزت بنجاح ملحوظ اختبار الاستقرار المالي امام عواصف الأزمة المالية العالمية 2008، الا انها تعاني حالياً من تباطؤ ملموس بسبب عوامل خارجية وضعف الابتكار المالي. كما ان المساهمة في النمو الاقتصادي العادل والتشاركي Inclusive Growth يشكل اختبارا اضافيا وهاما سيعزز الأصالة والتميز لهذه المؤسسات ويضيف جاذبية كبيرة لها على المستوى العالمي لتصبح قدوة للبنوك التقليدية في المساهمة في التشاركية المالية Financial Inclusion، أي التمويل غير المحصور في طبقة الموسرين القادرين على استخدام النفوذ أو الثروة أو الضمانات المصرفية للحصول على التمويل. وهذا الاختبار يتحقق من خلال احداث زيادة ملموسة في عقود ومنتجات تشاركية، معروفة أو مبتكرة، كالمضاربة والاستصناع والمزارعة في محفظة البنوك الاسلامية.
بداية لابد أن نتفق على حقيقة بأن هيمنة عقود المرابحة والتأجير التجارية (أي عقود بيع السلع والأصول بثمن شراؤها مضافاً إليها الربح Fixed-Returns Modes) على أنشطة تمويل البنوك الإسلامية في الأردن وحول العالم انما يعود إلى أسباب عملية أكثر منها ابداعية أو تشاركية. وظاهرة الاعتماد على المسار التقليدي التاريخي Path Dependence منذ أربعة عقود دون تطوير أصيل اطلق عليها بعض الباحثين في التمويل الإسلامي (طارق يوسف، 2004) بحق مصطلح “متلازمة المرابحة Syndrome Murabaha”.
وليس من المتوقع من ورقة موجزة أن تحل متلازمة المرابحة بشكل حاسم، فهذا يتطلب جهودا مؤسسية من قبل الجامعات والمؤتمرات والأجهزة المصرفية والرقابية ذاتها، كما قد يتطلب تغيرات ملموسة في توقعات المودعين والمدخرين في المؤسسات المالية الإسلامية. لكن هذا لا يمنع من ايراد بعض الأفكار والمقترحات.
الأسباب التاريخية والعملية لسيادة عقود المرابحة والتأجير في محفظة البنوك الإسلامية تعود -جزئياً على الأقل- الى الضعف الهيكلي في أنظمة ادارة المخاطر وأنظمة “المتابعة والتقييم” والرقابة الخاصة بترتيبات ومنتجات وعقود “المشاركة في المخاطر” في النظام الاقتصادي عموما وفي المؤسسات المصرفية الإسلامية كذلك. وهذا يعود بدوره إلى ضعف أنظمة المعلومات ودراسات الجدوى ووجود الحوافز غير المتماثلة بين البنك الإسلامي وبين المستثمرين أو المنظمين بخصوص ربحية ومخاطر المشروع الاستثماري وعائده المتوقع والفعلي.
أما الاتكاء على حجة غياب مصادر الأموال/ الودائع طويلة الأجل لدى المصارف الاسلامية، فهي حجة غير حاسمة، ومن الممكن علاجها باستحداث أوعية وأدوات ادخارية طويلة الأجل (كالصكوك الاسلامية)، سواء داخل المصارف الاسلامية أو في شركات مالية تابعة أو بانشاء مؤسسات داعمة لسيولة البنوك الاسلامية طويلة الأجل. وفي النهاية، من الممكن ايجاد طرق للتغلب على هذه العقبة، سيما في ضوء الفوائض المالية المعطلة التي تتسم بها هذه المصارف.
وبناء عليه، من الأهمية بمكان تحديد متطلبات النجاح الحرجة لتحول المؤسسات المالية الإسلامية/ البنوك الإسلامية في المرحلة الراهنة الى بيوت مالية شاملة تمنح الائتمان لمن يحتاجه ويستحقه فعلاً وتوزع المخاطر بينها وبين المستثمرين، فرداً كان أو مؤسسة صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، وبالتالي تساهم بفاعلية في تشجيع الاستثمار الانتاجي والنمو الاقتصادي التشاركي الذي يشارك في تحقيقه ويتمتع بمنافعه مختلف أفراد المجتمع. وهذه المتطلبات قد تكون على المستوى الفردي أو المصرفي أو المجتمعي.
وبخصوص مشكلة المخاطر الأخلاقية Moral Hazards، أي مشكلة تلاقي المصالح المتعارضة مع المعلومات غير المتماثلة بين متعاملي النظام المصرفي، فانها مشكلة تتشارك فيها مختلف الأنظمة المالية بدرجات متفاوتة، ويراها البعض سببا رئيسيا للأزمة المالية العالمية المعاصرة، وأراها شخصيا عاملا رئيسيا في هيمنة النظم التمويلية الاسلامية القائمة وقصيرة الأجل وبالتالي سببا رئيسيا في متلازمة المرابحة.
والتصدي لمشكلة المخاطر الأخلاقية يتطلب مدخلا شموليا يجمع بين: تنويع الأدوات المالية الاسلامية (كأسواق الأسهم الإسلامية وصناديق تمويل رأس المال المبادرVenture Capital )، وتعزيز أخلاقيات السوق خصوصا في مجال الايفاء بالعقود وما شابه، الى جانب الاستعانة بقوة التنظيم والتشريع المصرفي (مثل قانون المعلومات الائتمانية المشار الى شركاته أعلاه) وكذلك بسهم “الغارمين” في نظام الزكاة كآلية للتوزيع الكفؤ للمخاطر الاستثمارية بين أفراد المجتمع ككل وليس فقط بين طرفي العقد، خصوصاً حال تعرض الاقتصاد الاسلامي أو أحد قطاعاته لصدمات خارجية ليس للمستثمر سيطرة عليها. وقد طبق صندوق الزكاة الاردني مؤخراً صيغة من هذا المقترح على “الاردنيات الغارمات” في خطوة ايجابية.
وهذا يقتضي توفر ليس فقط مستوى أعلى من الالتزام بالأخلاقيات الإسلامية وبناء “مجتمع الثقة”، ولكن أيضاً اطاراً مؤسسياً داعماً، بما في ذلك خلق رقابة مصرفية أقوى ومؤسسات متطورة للذكاء الاستثماري والمعلومات الائتمانية، والتي توفر للمؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية معلومات شاملة وموثقة ومحدّثة حول الفرص الاستثمارية الواعدة وممارسات “الوفاء بالعقود” التاريخية لطالبي التمويل الإسلامي الحاليين والمحتملين، كما تؤكد الدراسات والمراجع الحديثة حول التمويل الاسلامي.
وأعتقد بأن لشركات الاستعلام الائتماني (شركات المعلومات الائتمانية) دورا أساسيا في انعاش التوجه نحو التمويل التشاركي القائم على المشاركة في المخاطر والأرباح والخسائر، حيث يمكن للانتهازيين ممارسة سلوك “عدم الوفاء بالعقود” مع البنوك الاسلامية مرة واحدة في حياتهم فقط!. في هذه الحالة، فان لعب “خيار التعاون” مع البنك الإسلامي هو الخيار الأكثر عقلانية في الأجل الطويل من قبل طالبي التمويل بالمشاركة.
كما ان تقنيات حاضنات الأعمال من ناحية، ونظم ضمان القروض والاقراض الجماعيGroup Lending  الذي يتسم بالضمانات الجماعية في المجتمعات المحلية من ناحية أخرى، قد تشكل سبلا فعالة وإضافية لجعل التمويل الإسلامي واقعا معاشا وأقرب الى مقاصد الشرع والتنمية التشاركية.

*خبير اقتصادي

التعليق