حين يكون الجحود والتجاهل والنسيان ردا للجميل

تم نشره في الاثنين 7 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

ربى الرياحي

غيوم كثيرة عبرت سماء حياته، صفعت وجهه النوائب، تعثرت خطواته، اختل توازنه خسر كل شيء، لكنه مع ذلك كله ظل قويا شامخا يحتفظ بكامل هيبته ووقاره.
بدأ يشعر بأن مخاوفه تتضاعف وأن الأمراض والعلل تتسلل إلى باطنه، أصبحت الهموم تسكن روحه المحبة المعطاءة تدريجيا، فاستحق وعن جدارة تلك العقوبة التي وجهت إليه فقط، لأنه لم يعد ثريا كالسابق.
هو اليوم وحيد يتلقى ضربات الغدر بشيء من الصبر والحكمة، لا يستسلم لتلك النيران التي تؤججها الأحقاد، بل يحاول أن يختلق لهم الأعذار لعله ينجح في إطفائها واجتياز ما قد يتسرب من ضغائن.
سؤال واحد يلح عليه يطالبه بإجابة تحرره من إحباطه ومن ذلك الشعور المؤلم المتيقظ داخله أين من كانوا يشاركونه تفاصيل يومه لحظة بلحظة؟ أين هم الأحبة الأوفياء؟ أولئك الذين كانوا يشاطرونه الفرح ويسعدون بقربه.
لكن الإجابة بالنسبة له ظلت مبهمة يرفض تصديقها والاعتراف بها، ربما لأنه لم يعتد على فكرة الجحود تلك التي آمن الكثيرون بها ممن حوله. كلهم بدون استثناء تناسوه وهجروه وتجاهلوه. اختاروا أن يبتعدوا عنه ويغلقوا صفحته وكأن شيئا لم يكن، فقط لأن المال شح بين يديه.
تكاسل حظه لم يعد قادرا على إنقاذ وضعه وما تبقى من أعماله خسر كل شيء لدرجة أنه عزل نفسه عن الحياة بما فيها لاعتقاده بأن ذلك هو الحل، قرر أن يصمد في وجه اليأس، قاوم وحدته، بقي متسلحا بالأمل وبمحبة الآخرين له، متيقنا بأن ما قدمه من خير سيعود عليه حتما وسيجدهم إلى جانبه يساندونه ويشدون من أزره.
باغته إحساس بالخيبة والألم والمرارة، سيطر عليه، حرضه على أن يتذكر كل ما فعله معهم، لقد كان بالنسبة لهم مأوى الغريب والقريب، كان نهر العطاء الذي لا ينضب، ظل لسنوات طويلة ملاذهم الآمن، نجح في أن يحميهم ويعيد إليهم قوتهم واتزانهم وأشياء أخرى كادوا أن يفقدوها فقط لأنهم أساؤوا الاختيار. كل ذلك لم يشفع له لم ينصفه بل على العكس انسحبوا جميعا من حياته تركوه يعاني بمفرده تخلوا عن كل لحظة جميلة جمعتهم به بدون أدنى شعور بالذنب، رغم أنه وهبهم عمره أغدق عليهم من أمواله، خصهم برعايته وبتعاطفه الدائم مع مشكلاتهم وهمومهم التي ألزمته بأن يعارك من أجلهم على كل الجبهات ويسعى بما أوتي من قوة لنصرة الملهوف منهم.
كان هدفه من ذلك كله هو تحقيق العدل والمحبة وإيجاد مجتمع فاضل نقي يليق بصدقه وإخلاصه ينتمي إليه يحكم داخله بالحق أراد هناك أن يضمد جراح النازفين بما أوتي من فضل وخير ووفاء لم يتردد أبدا في أن يكون مقصد السائلين المحرومين بذل ما في وسعه لإسعادهم وتجميل الحياة في أعينهم بدون أن ينتظر منهم أي أجر أو مكافأة أو حتى شهرة.
قرارهم بالابتعاد عنه كان ردة فعل على تغير أحواله ومعاكسة الحياة لأحلامه كل شيء حوله تلاشى فقد بريقه، تصدع جدار الأمان الذي كان يرتكن إليه عاد وحيدا مهزوما مكبل اليدين لا يجد من يحنو عليه بكلمة. لكنه مع ذلك أصر على ترك النوافذ والأبواب مشرعة لعل أحدهم يخطئ الطريق ويعوده لعلهم يتذكرون شيئا من مواقفه معهم، حاول أن يتجاهل أنفاسه الشجية المحرقة أضاء بالإيمان والحب قلبه انتظر طويلا طويلا بدون جدوى، لقد غابت عن ذهنه حقيقة واحدة وهي تنكر البعض لقلوب تدمن العطاء وترسخه على مر الأزمان قلوب قادرة على أن تجود بلا مقابل.

التعليق