القضية العادلة للثورة الفنزويلية

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • الشاب الفنزويلي ويلي أرتيجا يبكي على كمانه الذي كسرته قوات الأمن–(أرشيفية)

آن ماري سلوتر؛ وفابيانا بيريرا*

واشنطن العاصمة - شاهد الملايين من الناس في مختلف أنحاء العالَم صورة ويلي أرتيجا وهو يبكي بعد أن حطمت قوات الأمن الفنزويلية كمانه. وقد انضم أرتيجا الذي يبلغ من العمر 23 عاماً إلى الاحتجاجات ضد حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من خلال عزف أغان وطنية على كمانه. ويحدثنا مظهره اليائس بما يشعر به كثيرون في فنزويلا وهم يتساءلون: إلى متى يتعين على بلادهم أن تعاني من العنف وإساءة الحكم.
منذ بدأت احتجاجات الشوارع التي تنظمها المعارضة في الأول من نيسان (أبريل)، قُتل ما لا يقل عن 115 من المحتجين في فنزويلا. وكانت أعمار أكثر من 50 من القتلى أقل من ثلاثين عاماً، أغلبهم من المراهقين. ومن بينهم نويمار لاندر، وهو متظاهر يبلغ من العمر 17 عاماً، والذي أفادت التقارير أن أحد أفراد الأمن أطلق عليه عبوة غاز مسيل للدموع من مسافة قريبة للغاية، وييسون مورا، وعمره 17 عاماً أيضاً، الذي أصيب في وجهه بعيار ناري أثناء مشاركته في مظاهرة في جنوب غرب البلاد.
يظل تقدير حجم وديموغرافية الحشود الاحتجاجية أمر صعب دائماً؛ لكن بوسعنا أن نتبين أمرين واضحين بشأن الاحتجاجات الدائرة اليوم في فنزويلا. فهي أولاً أكثر اتساعاً وتنوعاً على المستوى الاقتصادي-الاجتماعي مقارنة بأي احتجاجات ضد مادورو في العام 2014، والتي بدا أنها تتألف في الأغلب من أهل فنزويلا المنتمين إلى الطبقة المتوسطة. وثانياً، أن الكثير من المحتجين اليوم من الشباب.
قاد الشباب ثلاث موجات من الاحتجاجات ضد النظام الشافيزي الذي أسسه هوجو شافيز قبل وفاته في العام 2013. في العام 2007، كان الشباب هم الذين تولوا قيادة الاحتجاجات ضد حكومة شافيز عندما أغلقت القناة التلفزيونية الشهيرة "راديو كاراكاس"، ووضعت في محلها قناة تلفزيونية تديرها الدولة. ثم في العام 2014، تظاهروا ضد الجرائم العنيفة التي استشرت في البلاد في عهد مادورو، ودعماً لحقهم في الاحتجاج. والآن، انضم جيل جديد من الشباب إلى أولئك الذين شاركوا في الموجات السابقة للمطالبة بعقد انتخابات وإنهاء النظام.
استمرت الاحتجاجات الأخيرة لأكثر من تسعين يوماً. وقد احتج الشباب الفنزويليين ضد ارتفاع معدلات البطالة والافتقار إلى الفرص الاقتصادية. وفي العام 2016، كان نحو 70% من الاحتجاجات مدفوعاً بهموم اقتصادية، من بينها المطالبة بالوظائف. ولم تصدر الحكومة أي تقرير حول معدلات البطالة الرسمية منذ أكثر من عام. لكن من الواضح أن الفنزويليين، وخاصة الشباب العاجزين عن تدبير تكاليف الغذاء والسكن، يعانون أكثر من أي وقت مضى من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في بلدهم.
يشكل الشباب بشكل خاص خطورة في نظر النظام لأنه ليس لديهم ما يخسرونه الآن، ولكنهم يخسرون كل شيء في المستقبل. وكما قال أحد قادة الطلاب في العام 2014، "ينبغي أن نحتج لأن الحكومة تسرق مستقبلنا". وفي المقابل، يميل الناس الأكبر سناً إلى إجراء الحساب المعاكس: إنهم لا يريدون المجازفة بما لديهم الآن من ممتلكات وسبل معيشة طلباً لمستقبل غير مؤكد. ولكنهم برغم ذلك يتبعون أبناءهم أحياناً عندما ينزلون إلى الشوارع.
لا يلومنّ النظام إلا نفسه عن الاحتجاجات اليوم. فبوصفة أشبه بنسخة أميركية لاتينية من دونالد ترامب، وصل شافيز إلى السلطة على ظهر موجة من الشعبوية في العام 1998، وكان كثيراً ما يتباهى بجهوده للحد من البطالة. واستثمرت حكومته بشكل مكثف في التعليم العالي، وبحلول العام 2010، احتلت فنزويلا المركز الخامس على مستوى العالم في معدلات الالتحاق بالجامعات. وكان عدد كبير من الجامعات الحكومية التي أنشئت خلال هذه الفترة منحازة إلى النظام. وفي المقابلات، كان الطلاب يقولون إن النظام يلزمهم بالمشاركة في التجمعات المؤيدة للحكومة؛ ولكنه وعدهم أيضا بوظائف حكومية بعد التخرج.
ولتحقيق هذا الوعد، استغل النظام العائدات النفطية الكبيرة في ذلك الوقت لتوسيع القطاع العام. ولكن إنفاق عائدات النفط على تعليم الطلاب لإعدادهم لوظائف تعتمد على عائدات النفط في المستقبل لا يصلح كنموذج اقتصادي مستدام. وقد بات هذا واضحا بشدة في العام 2014، عندما بدأت أسعار النفط تتجه نحو الهبوط السريع.
ترك انهيار أسعار النفط، إلى جانب سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، الشباب بتوقعات عالية، ولكن بلا آفاق حقيقية. ويبدو أن الحل الوحيد الذي تبقى لدى حكومة مادورو هو تعزيز القمع.
الدموع التي أراقها أرتيجا على آلته الموسيقية وبلاده، مثلها مثل صور المشيعين في جنازات المحتجين الشباب، توضح هذه الديناميكية تماماً: فقد نزل الشباب إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير والفرصة، وردت عليهم الحكومة المبنية على وعود لا يمكنها الوفاء بها، بالضرب والرصاص. وبعد أن فشلت في الوفاء بالتزاماتها، أصبحت تخون أبناء أنصارها بالعنف الذي احتفظت به ذات يوم لنخب البلاد.
والسؤال الآن هو من الذي يستسلم أولاً. كان شعار الاحتجاجات غير الرسمي في العام 2014 "من يتعب يخسر". ولكن في تلك المناسبة، كان التعب والإجهاد من نصيب المعارضة، وتلاشت الاحتجاجات مع انطلاق بطولة كأس العالم.
هذه المرة، تقدمت المعارضة بمطالب ملموسة، وتعهدت بالبقاء في الشوارع إلى أن تُلبى هذه المطالب. وهم يدعون الحكومة إلى عقد انتخابات رئاسية نزيهة، وإطلاق سراح كل السجناء السياسيين، وفتح ممر إنساني للبلاد لتلقي المعونات الغذائية والطبية المطلوبة بشدة.
من جهته، حَمَّل مادورو المحتجين المسؤولية عن نقص الضروريات في البلاد. ولكنه سوف يحتاج إلى ما هو أكثر من الخطابة الشعبوية لتهدئة الناس هذه المرة. لقد تحدث الفنزويليون بصوت عال وواضح: لقد سئموا الشعبوية، ولن يتركوا الشوارع تعباً.

*سلوتر: مديرة سابقة لتخطيط السياسة في وزارة الخارجية الأميركية، ومديرة مؤسسة "أميركا الجديدة" الفكرية، وأستاذة فخرية للسياسة والشؤون الدولية في جامعة برينستون. بيريرا: مرشحة لنيل درجة الدكتوراة في جامعة جورج واشنطن.
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق