كيف وقع أوباما في المصيدة السورية؟

تم نشره في الأحد 13 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • وزير الخارجية الأميركية السابق جون كيري في اجتماع مع الرئيس السوري بشار الأسد -(أرشيفية)

غاريث بورتر - (أميريكان كونسيرفاتيف) 30/7/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في الأيام الأخيرة، قرر أحد المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي ترامب إبلاغ وسائل الإعلام الإخبارية بأن برنامج وكالة المخابرات المركزية الأميركية لتسليح وتدريب القوات السورية المعادية للأسد قد انتهى. وكانت هذه أخباراً لقيت الترحيب في غمرة التزام عسكري أميركي يزداد تعمقاً ويعكس نية المكوث في البلد لأعوام مقبلة.
وكما وثقت مقالتي الأخيرة في "ذي أميركان كونسيرفاتيف"، فإن النتيجة الصافية للبرنامج منذ أواخر العام 2011 كانت تقديم الأسلحة لإرهابيي القاعدة وحلفائهم الجهاديين وغيرهم من المتطرفين، الذين هيمنوا بسرعة على الجهد العسكري ضد نظام الأسد.
يستدعي قرار إدارة ترامب الاعتراف صراحة بقرارها إنهاء البرنامج إجراء تحليل أكثر منهجية للأسباب والكيفيات التي جعلت هذا البرنامج -الذي كان يقوض بوضوح مصلحة أمنية قومية أميركية أساسية- يبدأ ويستمر طوال هذا الوقت. وكانت النسخة التمهيدية للبرنامج الذي كان قد استهل في أواخر العام 2011 أسهل على التفسير من شكله الأكثر مباشرة بعد عامين، والذي استمر (رسمياً على الأقل) حتى الآن.
أحد المفاتيح لفهم أصول البرنامج هو أنه لم يتم إطلاقه بسبب تهديد للأمن القومي الأميركي، وإنما بسبب ما فُهم على أنه فرصة. وهذه دائماً علامة خطر، والتي دفعت ببروقراطيي الأمن القومي الأقوياء إلى البدء بالتفكير في تحقيق "كسب" للولايات المتحدة. (فلنفكر في العراق وفيتنام).
كانت الفرصة في هذه الحالة هي صعود احتجاجات المعارضة ضد نظام الأسد في ربيع العام 2011، واعتقاد لدى مسؤولي الأمن القومي بأن الأسد لن يستطيع الاستدامة. ورأى فريق الأمن القومي في ذلك اختصاراً للطريق إلى الهدف.
أعاد المسؤول السابق في إدارة أوباما، ديريك شوليت، إلى الأذهان في كتابه "اللعبة الطويلة" أن مستشاري أوباما كانوا كلهم يتحدثون عن "انتقال مُدبر" للسلطة، ويحثون الرئيس أوباما على المطالبة علناً بأن يتنحى الأسد، وفق شوليت. وما عناه ذلك بالنسبة لمستشاري أوباما كان جلب الضغط من الخارج، بما في ذلك تقديم أسلحة للمعارضة.
وكان ذلك تفكير أمنيات، وليس فقط فيما يتعلق برغبة النظام الذي يسيطر عليه العلويون في تسليم السلطة لأعدائه الطائفيين، وإنما بما يتعلق أيضاً بالرغبة الإيرانية المفترضة بالموافقة على إسقاط النظام. ولم يتوافر أي من مستشاري أوباما على تفهم كافٍ للديناميات الإقليمية، بحيث يحذر الرئيس من أن إيران لن تسمح بإسقاط حليفها السوري على يد المعارضة التي تلقى الدعم من دول سنية ومن الولايات المتحدة.
لكن العامل الفصل في دفع الإدارة باتجاه القيام بعمل، تمثل في الضغط الذي مارسه الحلفاء السنة في المنطقة -تركيا والعربية السعودية وقطر- والذين بدأوا في خريف العام 2011 بالضغط على أوباما للمساعدة في بناء وتجهيز جيش معارضة. وقد لعبت تركيا دوراً قيادياً في هذا المجال، حيث دعت واشنطن إلى الموافقة على تقديم أسلحة ثقيلة -بما في ذلك صواريخ مضادة للطائرات وصواريخ مضادة للدبابات- لقوات الثوار التي لم تكن قيد الوجود بعد، بل حتى عرض غزو سورية للإطاحة بالنظام إذا ضمنت الولايات المتحدة توفير الغطاء الجوي.
الضغط على أوباما
في أيديولوجية نخبة الأمن القومي الأميركي -خاصة جناحها الديمقراطي- تعد التحالفات الإقليمية تكتلات بناء أساسية لما يعرف بأنه "نظام عالمي مستند لقوانين" ترعاه الولايات المتحدة. ومع ذلك، ومن الناحية العملية، عملت هذه النخب كأدوات لتعزيز سلطة ومكانة ورونق بيروقراطيات الأمن القومي نفسها.
تركزت العوائد من التحالفات الأميركية في الشرق الأوسط على إقامة القواعد العسكرية في تركيا والسعودية وقطر، والتي تسمح لوزارة الدفاع الأميركية وضباط الجيش بتخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية التي تضمن مستوى استثنائياً من الإنفاق العسكري. لكن مشتريات بعض الدول العربية الضخمة من الأسلحة، وتمويل أي عمليات سرية لا تريد وكالة المخابرات المركزية الأميركية الاعتراف بها أمام الكونغرس كانت دائماً مزايا رئيسية بالنسبة لتلك المنظمات القوية وكبار مسؤوليها.
وكان مدير وكالة المخابرات المركزية في حينه، ديفيد بترايوس، مهتماً بشكل خاص بتنفيذ عملية سرية لتسليح وتدريب المعارضة السورية. ومع دعم البيروقراطيات الأمنية لرغبة الحلفاء في تنحية الأسد، تولت وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، التي تميل استراتيجيتها العاطفية والسياسية نحو الحرب، الاضطلاع بالدور القيادي في الإدارة وبحماس لصالح تسليح الثوار والدعوة إلى إقامة "منطقة حظر طيران" التي أرادها الأتراك بشدة.
على الرغم من هذه الطائفة من العوامل المتصلة ببعضها بعضا والتي جذبت الإدارة نحو سياسة تغيير النظام، قال أوباما لا لمنح الأسلحة الثقيلة للثوار، ولا لمنطقة حظر الطيران ولا لدور أميركي رسمي في تزويد الأسلحة. مع ذلك، كان ما وافق عليه هو عملية سرية لوكالة المخابرات المركزية، صممها بترايوس لنقل أسلحة من مخزونات الحكومة الليبية في بنغازي على متن سفن، وترتيب شحنها إلى منطقة الحرب. وكانت هذه هي طريقة أوباما لإرضاء كل اللاعبين الذين يدفعون باتجاه تبني سياسة عدائية لتغيير النظام في سورية، من دون الالتزام علناً بتغيير النظام.
توقف ذلك البرنامج الذي بدأ في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2011 بشكل تعسفي بسبب الهجوم على ملحق السفارة في أيلول (سبتمبر) 2012. لكن إدارة أوباما كانت تعرف عند ذلك مُسبقاً بأن الأسلحة كانت تقع في أيدي جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، كما كشف مسؤول الإدارة لصحيفة "نيويورك تايمز".
وفي الأثناء، كانت دول خليجية وتركيا ترسل الأسلحة بوتيرة محمومة لمجموعات لها ترتيبات عسكرية مع "جبهة النصرة"، وكان السعوديون قد بدأوا بإبرام صفقات في أوروبا الشرقية للأسلحة الثقيلة، قاصدين بشكل واضح تجهيز جيش تقليدي ضخم.
ما كان من الممكن أن تكون إشارات الخطر لسياسة انتهجت بشكل خاطئ إلى حد مرعب أكثر وضوحاً. ولكن عند تلك اللحظة في صيف وخريف العام 2012، بدأ كل من بترايوس وكلينتون دفعة جديدة من أجل أن تتولى وكالة المخابرات المركزية دور تسليح مجموعاتها الخاصة المنتقاة باليد من المجموعات "المعتدلة". وكانت كلينتون قد حاججت خلال اجتماع في البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى وجود "شيء محسوس في اللعبة" من أجل اقناع حلفائها السنة بإبعاد الأسلحة عن الإرهابيين. لكن أوباما لم يوافق على ذلك الاقتراح مستشهداً بالضربة الارتدادية التي تلقتها الولايات المتحدة من مغامرتها في أفغانستان في الثمانينيات. وبينما استمر النقاش في أواخر العام 2012 وأوائل العام 2013، قامت وكالة المخابرات المركزية بسلسلة من الدراسات -التي أمر بها البيت الأبيض- حول الجهود السابقة لبناء جيوش للثوار من الصفر. لكن النتائج لم تكن مشجعة، كما سرب شخص مدافع عن موقف أوباما في النقاش لصحيفة "نيويورك تايمز".
خطأ أوباما المميت
لكن أوباما ارتكب عندها، في أوائل كانون الثاني (ديسمبر) من العام 2012، خطأ سياسياً قاتلاً. لقد حدد "خطاً أحمر" -على استخدام السلاح الكيميائي في سورية. وخلال أسابيع فقط، زعم الثوار أن النظام استخدم غاز السارين في هجوم شنه ضد حمص. وعلى الرغم من أن إدارة أوباما أجرت تحقيقاً سريعاً ووجدت أن ذلك كان غازاً مسيلاً للدموع، فقد تبعت ذلك الزعم سلسلة من الادعاءات الجديدة بأن النظام شن هجمات كيميائية في آذار (مارس)، وفي نيسان (أبريل) من العام 2013، حيث كان الدليل على ذلك غائماً جداً في أفضل الحالات.
بطبيعة الحال، اغتنم فريق الأمن القومي لأوباما وبالتنسيق مع الحلفاء السنة الفرصة للدفع بقوة أكبر في اتجاه تطبيق برنامج أميركي جديد لتقديم مساعدات عسكرية أميركية مباشرة للثوار "المعتدلين". وسعى أوباما إلى تجنب الغرق أعمق في داخل الصراع السوري؛ حتى أن الإدارة طلبت من مجموعة المخابرات الإعلان عن اكتشاف مخابراتي غير مقنع بطريقة غير عادية عن مزاعم هجمات الأسلحة الكيميائية في أواخر نيسان (أبريل).
لكن أوباما وافق، وللمرة الثانية، على برنامج لوكالة المخابرات المركزية للمساعدة في تسليح القوات المعادية للأسد؛ وكانت تلك طريقة لإرضاء جهازه للأمن القومي وحلفاء الولايات المتحدة، بينما تجنب تقديم أي التزام مفتوح بالحرب. وعندما لم يحدث أي شيء في البرنامج السري لأسابيع، استخدم فريق أوباما للأمن القومي أزمة مزعومة في الحرب لتشديد الضغط عليه للتحرك بطريقة أكثر حسماً.
ورتب وزير الخارجية جون كيري ومسؤولو وكالة المخابرات المركزية غير الراضين دعوة لقائد من الثوار للقدوم إلى اجتماع في البيت الأبيض، مع الادعاء بأن القوات السورية وقوات حزب الله تهدد بالقضاء على الحرب المعادية للأسد برمتها.
وحذر كيري من أن أوباما سيتعرض للوم من حلفاء الولايات المتحدة على هذه النتيجة واقترح توجيه ضربات صاروخية ضد قوات الأسد. وخلال أيام، أمر البيت الأبيض بإعداد تقييم استخباري جديد، والذي أعرب عن "ثقة عالية" بأن النظام السوري استخدم غاز السارين مراراً، وأعلن نتيجة التقييم على الملأ فوراً.
وبالتزامن، أعلن البيت الأبيض لأول مرة أن الولايات المتحدة ستقدم مساعدات مباشرة للمعارضة، وسرب لصحيفة "نيويورك تايمز" أن هذه المساعدات تتضمن مساعدات عسكرية.
وهكذا، وفي اللحظة نفسها التي كان يجب على واشنطن فيها ممارسة الضغط على حلفائها لوقف صب الأسلحة في الحرب المعادية للأسد، فإنها كانت تبني بشكل ممنهج قوة ونفوذ "القاعدة" في البلد، كانت إدارة أوباما تخضع لرغبة أولئك الحلفاء.
وكان السبب بسيطاً: كانت البيروقراطيات القوية في جهاز الأمن القومي تهدد بتحميل أوباما المسؤولية عن الفشل الذي مني به جهدها البطولي لإنقاذ الحرب المعادية للأسد.
الدرس المستقى من المسألة برمتها: كان تحالف ماكر بين بيروقراطيات الأمن القومي الأميركي القوية، والحلفاء الشرق أوسطيين الذين يتمتعون معهم بعلاقات ربحية متبادلة، يضغطون على البيت الأبيض للموافقة على القيام بأعمال تهدد المصالح الحقيقية للشعب الاميركي -بما في ذلك تقوية الإرهابيين.
ولعل الطريقة الوحيدة لعكس الوضع، تكمن في توجيه الانتباه العام إلى ذلك التحالف الماكر الذي ما يزال طليقاً حتى الآن.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 How Obama Fell into the Syrian Trap

التعليق