موفق ملكاوي

إلى روديكا فيرانيسكو: إنه الشرق يا صديقتي

تم نشره في الأحد 13 آب / أغسطس 2017. 11:04 مـساءً

لم نكن نعلم ماذا يخبئ لنا الليل حين غادرنا منطقة الصالحية في بغداد، متخذين الطريق نحو عمان. ودعنا المدينة مع ساعات العصارى، والبرد يبدأ دبيبه الغريب في أوصالنا.
كنّا نرتب أجسادنا على مقاعد مهشمة وغير وثيرة، حين قلتِ لي بلغة عربية لطالما غبطتك عليها: "أنت تشبه الأندلس. ملامحك تعود لأحد عازفي شوارع غرناطة".
لم أدرك حينها إن كان ذلك من باب المديح، غير أن البريق الذي لمع في عينيك وشى بدفء غريب، فكففت عن مساءلة نفسي عن المعنى.
في تلك الليلة الطويلة على الطريق الحزين بين بغداد وعمان، فتحنا قلبينا جسرا بين عالمين وحضارتين؛ الشرق والغرب. كنت شرقية جدا حين تلوتِ "يطير الحمام.. يحط الحمامُ.."، ولكن ما من حمام كان في الصحراء التي بدأ ليلها بالهبوط، وبردها بالاشتداد. وتدفئة الحافلة تعطلت على غير موعد.
كان هناك أشخاص يتجمدون من البرد في الساعات الأولى من الفجر، وآخرون غاضبون يصرخون في السائق الذي لم يكن له حول ولا قوة. في تلك الأثناء خطر ببال موسى حوامدة أن يقرأ الشعر لعل له قدرة على الأوصال المتجمدة. لكن الفكرة لم تنجح، حينها جاء مبتكرون آخرون بأفكار جديدة، فتعالى صوت رفقة دودين "شباب قوموا العبوا والموت ما عنه.. والعمر شبه القمر ما ينشبع منه". تعالى صوت شهلا الكيالي الحاد تردد مع رفيقتها، لكن كلماتها قضمها البرد الذي لم يرحم.
سألتِني إن كنت قرأت لوركا. لم تنتظري جوابي، بل رحت تسردين علي عظمته. لم أشأ أن أخبرك بأنني منذ تعرفت أليه أبكيه كلما خطر ببالي. اعتدت طويلا أن أضع نسخا مصورة من "عرس الدم" و"بيت برناردا ألبا" قريبا من فراشي. وقتها لم أكن أعلم كيف للثوار أن يقدموا على إزهاق روح عظيمة رسمت معاناة البشرية وهي لم تبلغ بصاحبها الثامنة والثلاثين. بعد ذلك بسنوات تعرفنا هنا في الشرق على جميع أنواع الثورات، وعرفت كيف يمكن لها أن تكون مقصلة على رقاب الأبرياء.
سألتك أن تصفي لي بيتك في بوخارست.. فضحكت طويلا، وقلتِ: "بيت المرأة الرومانية قلعتها". ضحكنا معا، إلا أن وجهك اكتسى بجدية ما وأنت تقولين كلاما جميلا عن المدينة التي احتضنتك حتى رأيت نفسك أكاديمية ومختصة بلغة غريبة عن كثيرين؛ اللغة العربية.
..وعن غروب الديكتاتور. وكيف شهدت قبل أعوام قليلة نهاية نيكولاي وإلينا، وتفكك الشيوعية. ومن دون أن تصرحي بذلك، وشت كلماتك بحنين ما، وأنت تدينين الطريقة التي تم فيها إعدام الديكتاتور وزوجته، وتؤكدين أن العدالة في النهاية مسؤولية الدولة والنظام، ولا يمكن للأفراد أن يأخذوا مسؤولية تحقيقها على عاتقهم.
لكنك كنت واضحة الحزن وأنت تتحدثين عن رومانيا اليوم، التي علقت بين فترتين مزمنتين، فلا هي بقيت في زمن الشيوعية والاشتراكية، ولا استطاعت العبور نحو الغرب في تحرير السوق والرأسمالية.
تداخل الشاب المغربي الذي تحادث معك بالفرنسية في المقعد خلفنا أشعرني بعدم الراحة. لم أفهم شيئا من الحوار، كنت أدير رأسي باتجاهكما محاولا التقاط أي كلمة يمكن تمييزها، غير أنني لم أفلح في ذلك. لكن المغربي الذي احتدّ فجأة في حديثه، ما لبث أن نظر في وجهي، ثم أدار وجهه نحوك مرة أخرى وهو يقول بعربية مغاربية: "لقد سلبك هذا الشرقي الوسيم اتزانك"!.
بالتأكيد حسبت هذا الكلام من باب المديح، حتى لو لم يكن قائله يقصد ذلك.
في بقية الطريق الطويل، لم تكوني صاحية تماما جراء البرد الشديد الذي لسع أجسادنا. وكالعادة، عند الحد العراقي، دفعنا للجنود "إكراميتهم" المعهودة، ودلفنا المنطقة الحرام متقدمين نحو الحد الأردني.
الشاب الأسمر النحيل الذي صعد الحافلة، اقترح أن لا يغادر أحد منا الحافلة، بسبب البرد غير المحتمل في الخارج. جمع جوازات سفرنا، وهبط بها مغادرا، ولم يغب سوى بضع دقائق، ليعود ويسلمنا الجوازات ويقول لنا: "توكلوا على الله"، حتى من دون أن يفتش أي أمتعة.
قلتِ لي حينها: "أحب الشرق. لم يكن أمر كهذا ليحدث على أي حدود أخرى في العالم. ما من أحد يبالي بالجانب الإنساني. إنه الشرق يا صديقي".
بعد كل تلك السنوات، أردد على وقع عباراتك: نعم، إنه الشرق يا صديقتي. صانع الموت والخراب.

التعليق