ديمقراطية باكستان سوف تبقى

تم نشره في الأربعاء 16 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • باكستانية تدلي بصوتها في أحد الانتخابات الرئاسية - (أرشيفية)

شهيد جواد بوركي*

لاهور -  اعتبر كثيرون في الغرب القرار الصادر عن المحكمة العليا في باكستان بإقالة رئيس الوزراء نواز شريف من منصبه، على الرغم من حصوله على أغلبية مريحة في الجمعية الوطنية، علامة مشؤومة تشير إلى تجدد عدم الاستقرار السياسي، إن لم يكن العودة إلى الاستبداد. ولكن تاريخ باكستان السياسي يشير إلى خلاف ذلك.
لم تنشأ باكستان اليوم في آب (أغسطس) 1947 عندما نالت استقلالها، وإنما في كانون الأول (ديسمبر) 1971، عندما انفصل القسم الشمالي من البلاد ليصبح بنغلاديش بعد حرب أهلية دموية. وبعدئذ، حُكمَت باكستان كديمقراطية برلمانية، بقيادة رئيس الوزراء صاحب الكاريزما القوية ذو الفقار علي بوتو.
لكن اتهامات بتزوير الأصوات على نطاق واسع في انتخابات العام 1977 تسببت في إثارة اضطرابات واسعة النطاق، والتي لم تسفر عن إسقاط بوتو (الذي أُعدِم في نهاية المطاف) فحسب، بل أدت أيضاً إلى انقلاب عسكري. وتولى الجنرال محمد ضياء الحق الرئاسة في العام 1978، وظل في منصبه حتى وفاته بعد عشر سنوات.
وأدت وفاة ضياء الحق إلى جلب رئيسة وزراء مدنية منتخبة ديمقراطياً إلى السلطة؛ وهي بنظير بوتو، ابنة ذو الفقار علي بوتو وأول امرأة تقود دولة ذات أغلبية مسلمة. ولكن فترة ولايتها الأولى اختُزِلَت عندما أقالها الرئيس -الذي انخرطت معه في صراع على السلطة- بموجب التعديل الثامن للدستور الذي صاغته المؤسسة العسكرية في باكستان، وسط ادعاءات بالفساد وسوء الإدارة.
بعد فترة وجيزة، تولى شريف منصب رئيس الوزراء. وانتهت ولايته الأولى في العام 1993، عندما استقال تحت ضغوط من المؤسسة العسكرية. وقد مهد ذلك الطريق لعودة بوتو، التي ظلت رئيسة للوزراء حتى العام 1996، عندما أقيلت مرة أخرى -ولكن هذه المرة بواسطة حزبها (حزب الشعب الباكستاني).
وفي العام 1997، كان دور شريف مرة أخرى. ولكن مواجهته مع المؤسسة العسكرية ازدادت حِدة بمرور السنين، الأمر الذي أفضى إلى انقلاب آخر في العام 1999، وأعقب ذلك ثماني سنوات من الحكم العسكري بقيادة الجنرال برويز مشرف. وفي العام 2008، استقال مشرف تحت ضغوط شعبية، وجلبت انتخابات جديدة إلى الرئاسة آصف زرداري، أرمل بنظير بوتو، التي اغتيلت في شهر كانون الأول (ديسمبر) السابق.
وفي تجاهل للمتطلبات الدستورية، لم ينقل زرداري السلطة التنفيذية إلى رئيس وزرائه، وتوقع بدلا من ذلك أن يتبع رئيسا الوزراء اللذان خدما في حكومته أوامره. وعملت سنوات ولاية زرداري الخمس على تعزيز النظام الرئاسي في باكستان. بيد أن هذا تغير مع إعادة انتخاب نواز شريف رئيسا للوزراء في العام 2013، عندما استعيدت الديمقراطية البرلمانية بالكامل.
خلال السنوات الخمس والأربعين منذ الحرب الأهلية، أمضت باكستان 24 سنة تحت حكم رئاسي، و21 سنة فقط كديمقراطية برلمانية. غير أن الوضع الحالي -الذي يتسم بقضاء مستقل، وصحافة حرة، ومجتمع مدني نشط، ومؤسسة عسكرية مطهرة- يحابي استمرار الحكم البرلماني، بصرف النظر عن إقالة نواز شريف.
يبدو مسار حكومة باكستان حتى الآن واعداً. فالآن يشغل شهيد خاقان عباسي -وزير البترول السابق الذي يتمتع بتعليم جيد ويُعَد مديراً بارعاً- منصب رئيس وزراء مؤقت. وقد يعني هذا أنه سيخدم لمدة 45 يوماً -وهي فترة كافية لانتخاب شهباز شريف، شقيق نواز الأصغر، قائداً قادما لباكستان. أو ربما يظل عباسي في منصبه حتى الانتخابات العامة المقبلة، التي من المقرر أن تُعقَد في أيار (مايو) 2018.
يعرض النهج الأخير مزايا سياسة فريدة. فقد عمل شهباز شريف ما يقرب من عشر سنوات رئيساً لوزراء البنجاب، معقل الحزب الحاكم، الرابطة الإسلامية الباكستانية، والذي يظل تحت قيادة نواز. ويتعين عليه أن يفي ببعض الوعود قبل مغادرة هذا المنصب -بدءاً بالحد من تخفيض الأحمال الكهربائية، الذي يقوض الرفاهة الاقتصادية والشخصية، وخاصة خلال ما اعتُبِر العام الأكثر سخونة على الإطلاق في سجل الإقليم.
كما يحتاج إقليم البنجاب إلى بنية أساسية حضرية أفضل. ذلك أن عدد سكان المدن في باكستان ينمو بنحو 6 % سنوياً، مما يرفع الطلب على تحسين خدمات النقل، وإدارة المياه، والصرف الصحي، وجمع النفايات الصلبة، فضلاً عن التعليم والخدمات الصحية. ويصدق هذا بشكل خاص في البنجاب، حيث ازداد عدد سكان الحضر بنحو 26 % في الفترة من 2001 إلى 2011.
تعكف إدارة شريف الإقليمية بالفعل على معالجة هذه القضايا، ومن المتوقع أن تتحسن الأوضاع بشكل ملموس في الربيع. ولعل الإبقاء على شريف في البنجاب أفضل وسيلة لضمان سير الأمور وفقا للخطة، وبالتالي تمكين حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية من الاعتماد على دعم الناخبين القوي هناك في الانتخابات المقبلة.
ومن شأن هذه النتيجة أن تعزز استمرار النظام البرلماني في باكستان، وهو أمر بالغ الأهمية لبقية العالَم الإسلامي أيضاً. ذلك أن الاستقرار الاجتماعي، الذي تتمتع به قِلة من الدول الإسلامية، يتطلب أنظمة سياسية مفتوحة، وشاملة، وتمثيلية. ويصدق هذا بشكل خاص اليوم، حيث يبلغ متوسط العمر في الدول ذات الأغلبية المسلمة 25 عاماً. والواقع أن 1.6 مليار شاب مسلم، معرضون الآن بفضل التكنولوجيا للعالم خارج حدود بلدانهم، ويميلون إلى تفضيل المزيد من الانفتاح والفرص.
ولا يخلو هذا من دروس للقوى الخارجية أيضاً. فقد دعمت الولايات المتحدة لفترة طويلة الأنظمة الاستبدادية "الصديقة". ولكن في حين يبدو هذا وكأنه يخدم مصالح الولايات المتحدة، فإنه كفيل في نهاية المطاف بزعزعة الاستقرار وإثارة العنف الاجتماعي الذي قد يمتد إلى منطقة مضطربة أصلاً.
لا شك أن النظام السياسي في باكستان واجه تحديات خطيرة في الماضي. ولكن لا ينبغي لإقالة شريف أن تُنذِر بالضرورة بالعودة إلى عدم الاستقرار، أو الحكم العسكري. فعلى خطى الهند، حيث نجح نظام سياسي شامل بقدر مقبول في تعزيز السلام والاستقرار النسبيين لما يقرب من السبعين عاماً، يبدو أن باكستان ما تزال سائرة على الطريق نحو توطيد الديمقراطية.

*وزير المالية السابق في باكستان ونائب رئيس البنك الدولي، وهو حالياً رئيس معهد شهيد جواد بوركي للسياسة العامة في لاهور.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق