حضانات مواقع العمل: نصوص قانونية وتهرب مؤسساتي والمرأة العاملة تدفع الثمن

تم نشره في الأربعاء 16 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 17 آب / أغسطس 2017. 11:49 صباحاً
  • انفوجراف مقارن لاعداد الحضانات التراكمي في المملكة.-(الغد)

 محمد فريج *

عمان - تعمل منى بمؤسسة خاصة، بمجال إدارة الجودة الصحية. في مكان العمل لا توجد حضانة للأطفال رغم تجاوز عدد العاملات الـ20 عاملة، وتجاوز عدد أطفالهن 10 أطفال.
تقول “عانيت من الحضانات مع ابني الأول، كنت بدّي شيء قريب للبيت والشغل”. بعد بحثها الطويل أخذت بنصيحة صديقتها وسجلت ابنها بحضانة خاصة “أسعارها خيالية”، كانت تدفع مقابل الخدمة 160 دينارا شهريا، ما يعادل ثلث مرتبها.
“مع طفلي الثاني طلبت الحضانة على كليهما 290 دينارا شهريا، اضطررت للبحث عن حضانة أخرى، وجدت حضانة طلبت مني 250 دينارا وبعد مفاوضات سجلت الطفلين بـ220 دينارا لـ 6 أيام في الأسبوع، لا تشمل أي مصاريف كرسوم الرحلات، والأنشطة” تقول منى.
يفضل العديد من أصحاب العمل تجاوز المادة 72 من قانون العمل، بعدم فتح حضانات وتحمل العقوبات التي تقع على المؤسسة بحال تم الكشف عليها من قبل فرق التفتيش، في حين تتدرج العقوبات من الإنذارات إلى دفع غرامة حدها الأقصى 500 دينار. “لن تقوم الوزارة بإغلاق المنشأة”، يقول أحد أصحاب العمل.
ويلجأ آخرون بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى عدم تشغيل الإناث بأكثر من 20 عاملة، لكي لا تنطبق عليهم المادة 72 من القانون، ولأسباب أخرى تتعلق بإجازات الأمومة والعمل الإضافي.
في ذات الوقت، قابلنا عددا ممن يرغبون بإنشاء حضانات لخدمة أبناء العاملات لديهم، واجهتهم إشكالات عديدة للحصول على الترخيص، منها “تعدد الجهات المشرفة على الترخيص، وارتفاع تكاليف إنشاء الحضانة، وتعارض قرارات وإجراءات وزارتي العمل والتنمية الاجتماعية”.
 مستشارة النوع الاجتماعي لمنظمة العمل الدولية ريم أصلان توضح “اجراءات ترخيص الحضانة ليست سهلة، طريقة التسجيل تأخذ فترات طويلة قد تمتد 8 أشهر إن حصل صاحب العمل على موافقة وزارتي الصحة والأشغال العامة، وأمانة عمان الكبرى، والدفاع المدني وأخيرا وزارة التنمية الاجتماعية” كل على حدة. فقد استغرقت إجراءات الترخيص في شركة (ريتش باين انترناشونال جروب) مدة 4 شهور، بمساعدة مكثفة من حملة صداقة، ووزارة العمل، لتكون بذلك أول منشأة صناعية تؤسس حضانة في الأردن، لتسهم برفع نسبة العاملات من 100 إلى 240 يعملن حاليا بالمصنع، بحسب اخصائية الموارد البشرية زينب الشوابكة.
توفير الحضانات يحقق عائدا اقتصاديا
إنشاء الحضانات غير مكلف، كما تقول أصلان، “فالحضانة بموقع العمل لها عائد مادي مباشر قدره 737 ألف دينار نتيجة وفورات فاتورة الرواتب”، لكل شركة من الشركات التي شاركت بعينة دراسة الحالة لقطاع الاتصالات، والتي نفذتها حملة صداقة في أيلول (سبتمبر) 2016.
“وفر يعكس الزيادة بالإنتاجية أو الوفر المتحقق نتيجة تقليل الدوران الوظيفي والغيابات وكلف تدريب العاملة”، بحسب نتائج الدراسة.
وأشارت نتائج دراسة مساهمة المرأة الأردنية بسوق العمل إلى أن احتمالية مشاركة المرأة في القوى العاملة تزداد بمقدار 3.25 مرة في حال توفر حضانة. بينما تظهر دراسة المجلس الأعلى للسكان للعام 2015، أن 34 ٪ من النساء المنسحبات من سوق العمل، تركن عملهن بسبب ظروف عائلية وأسرية.
تشير نتائج مسح العمالة والبطالة للإحصاءات العامة 2016، إلى ضعف مشاركة المرأة بسوق العمل، إذا بلغ معدل المشاركة الاقتصادية للإناث 13.2 % مقابل 58.7 % للذكور.
وتقدر الخسارة التي يتكبدها الاقتصاد الأردني بسبب تدني مشاركة الإناث بسوق العمل، بنحو 46٪ من الناتج الاجمالي المحلي، أي ما يعادل 11 مليار دينار في العام 2013، بحسب ورقة موقف صادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني.
تقدم أصلان حلولا لأصحاب العمل، منها: “توفير حضانات داخل مكان العمل، أو بمنطقة جغرافية قريبة للأب والأم خاصة المرضعة، أو التعاقد مع جهة خاصة أو جمعية تطوعية، أو التشارك بحضانة تخدم المنطقة جميعها كحضانة مركز هيا الثقافي التي من المتوقع أن تخدم قطاع البنوك في الشميساني”.
دراسة أعدتها مؤسسة صداقة بدعم من المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية في الدول العربية، توصي بأنه يمكن السير بخطوات تشجع انخراط المرأة بسوق العمل من خلال توفير الحضانات المؤسسية، تتمثل “باستثناء الكلف ذات العلاقة بالحضانات مرتين من الدخل الخاضع للضريبة، أو توفير إعفاءات ضريبية لها، أو تقديم الحكومة دفعات نقدية مباشرة للشركات التي توفر الحضانات”.
وتطالب الحملة الحكومة بإقرار الإطار الوطني الذي أنجزته، والذي يتضمن أن يكون التقدم لترخيص الحضانات من خلال نافذة موحدة “تعفي أصحاب العمل من أعباء الحصول على موافقات الجهات المرجعية واحدة تلو الأخرى”.
غياب مبدأ العدالة في التشريع
“نتوجه لجعل الحضانة حقا عاما للأسرة وليس فقط للأم العاملة، لنلغي التمييز الواقع على المرأة بالدور التقليدي لها في الأسرة، ونظرا لكونها حق للطفل في النمو والتطور، ذهبنا إلى ما وافقت عليه ثلاث لجان عمل نيابية بالمجالس السابقة، بتعديل المادة 72 من قانون العمل لتلزم المؤسسات بإنشاء الحضانة في حال وجود 15 طفلا تحت سن 4 أعوام للعاملين في المؤسسة”، تقول اصلان.
من شأن هذا التوجه أن لا يظلم الشباب ممن تعمل زوجاتهم بمؤسسات صغيرة، بحيث لا تنطيق عليها المادة 72 وبالتالي لا يتمتع أطفالهم بحق الحضانة.
فيما تتفاوت قيمة ما تدفعه العاملات من مؤسسة لأخرى مقابل خدمات الحضانة، بين 50 – 100 دينار، بحسب عاملات استطلعنا آراءهن، تبرز الإشكالية بعدم وجود أي إشارة في القانون أو الأنظمة والتعليمات إلى وجود مبلغ محدد أو نسبة تقتطع من راتب الموظف لصالح الحضانة.
يبيّن مستشار سياسات العمل ورئيس مؤسسة بيت العمال، حمادة أبو نجمة، أنه “من الناحية القانونية، لا يسمح لصاحب العمل بأن يستوفي أي مبلغ مقابل الحضانة”.
ويضيف بأن الوزارة لم تتلق أي شكوى بهذا الخصوص من العاملات “معتمدة في هذا الأمر على رضا وتوافق الطرفين”.
ولا يخفي خشيته من تحول خدمات الحضانات المؤسسية في القطاعين العام والخاص إلى غايات ربحية ورفاهية، ولذا، لا يحبذ وضع نسبة اقتطاع أو مبلغ محدد بنص القانون والتعليمات. ويرى بأن العودة لنص قانون العمل بتوفير مكان مناسب يمثل مخرجا لجميع أطراف العملية الإنتاجية.
يقول أبو نجمة: “الحل المطبق لهذه الإشكالية بعدد من الدول يتمثل بتحمل الحكومة جزءا من كلف الحضانات، أو إنشاء الصناديق التعاونية لهذه الغاية بالمؤسسات، وذلك يضمن عدم نفور أصحاب العمل من الإلتزام بالقانون”.
خطوة بدأتها وزارة العمل بتخصيص مبلغ 3 ملايين دينار خلال السنوات الثلاث الماضية، تقدم للمؤسسات الراغبة بإنشاء حضانات وتنفذ من خلال المجلس الوطني لشؤون الأسرة، وصفها أبو نجمة بـ”الناجحة والتي أثمرت بإنشاء عدد من الحضانات بما يخفف عن أصحاب العمل والعاملين”. داعيا لإستكمال المشروع الذي استمر لعامين وانتهى في أيار (مايو) 2016، وزيادة المخصصات المالية فيه.
وزارة العمل قامت العام 2016 بالتعاون والتنسيق مع المجلس الوطني لشؤون الأسرة بدعم تجهيز وافتتاح 7 حضانات لدى شركات ومصانع بمحافظات المملكة. ونفذت 6 زيارات ميدانية لعدد من مؤسسات القطاع الخاص بهدف الكشف الحسي على المكان المناسب لتأسيس حضانة. واصدار 5 كتب توصية لمؤسسات القطاع الخاص بإنشاء حضانة لديهم.
وصل عدد الحضانات المرخصة في سجلات وزارة التنمية عام 2013 إلى 888 حضانة، منها 29 “حضانة مؤسسية”، فيما وصل عدد الحضانات المؤسسية والتطوعية والخاصة حتى تموز (يوليو) 2017 إلى 1100 حضانة، 81 منها مؤسسية حسب أرقام “صداقة”، يستفيد منها 17000 طفل دون سن الرابعة، بحسب الناطق الإعلامي بإسم وزارة التنمية د. فواز الرطروط.
يشدد أبو نجمة على أن “الحضانات مسؤولية مجتمع، وليست مسؤولية العامل واصحاب العمل، وإذا ما أردنا رفع نسبة مشاركة المرأة إقتصاديا علينا جميعا أن نساعدها، التزاما بالمعايير الدولية”، التي تنص في أكثر من اتفاقية على أنه “لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتحمل صاحب العمل وحده أي أعباء مالية متحققة لحق من حقوق المرأة كإجازات الأمومة، والحضانة”، ولذلك تم تنفيذ تأمين الأمومة من خلال الضمان الاجتماعي، ويجب أن ينسحب ذلك على الحضانة.
“العمل” و”التنمية” قطبان متنافران
“تقوم وزارة التنمية بالعمل اليوم على إعداد مشروع نظام جديد لدور حضانة الأطفال”، بدافع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، ووفقا لمؤشرات قياس تنمية الطفولة المبكرة دوليا ووطنيا، وسندا لمعايير اعتماد مؤسسات الرعاية الاجتماعية وضبط جودة خدماتها، وتبعا للسياسات الوطنية بحسب استراتيجية الموارد البشرية والخطة التنفيذية للاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة .
يؤكد أبو نجمة، الذي شغل سابقا منصب الأمين العام لوزارة العمل، أن نص المادة 72 “كان واضحا بمفهوم تهيئة مكان مناسب، والمكان المناسب لا يرقى لكونه حضانة كما هو متعارف عليه”، ودون أي مقابل مادي، إلاّ أن وزارة التنمية “تشددت بتعليماتها السابقة حول المكان المناسب، ما أدى لارتفاع تكاليف إنشاء الحضانات، وعدم قدرة اصحاب العمل على تحملها وحدهم، بشكل مغاير لمقصد القانون”.
فيما تقول أصلان “يجب على الوزارتين أن تجلسا معا لتنسيق أدوارهما”. حتى ذلك الوقت، ستبقى منى تتكبد عناء عدم توفر حضانة لابنيها بمكان عملها، مجبرة على حملهما كل صباح مع ثلاث حقائب، لإيصالهما للحضانة الخاصة، ثم تنطلق إلى عملها حتى إنتهائه، لتعود بلهفة لأخذهما إلى المنزل.

*  بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

التعليق