محمد برهومة

إياد علاوي وتغيّر المزاج الجماهيري

تم نشره في الجمعة 18 آب / أغسطس 2017. 12:06 صباحاً

ثمة متفائلون يرون أننا نعيش مرحلة "نهاية محاولات التوظيف السياسي للإسلام"، وأن تصاعد وتنامي نفوذ الحركات الإسلامية المتشددة والمسلحة في المنطقة العربية هو حالة طارئة، وأن الظروف التي تمر بها المجتمعات العربية ظروف استثنائية، وأن الانقسامات والصراعات والحروب هي بيئة عمل الحركات الجهادية/الإرهابية، وحالما تعافت هذه المجتمعات سياسياً واقتصادياً، فإن هذا النفوذ المتنامي للجهاديين سينقلب إلى  تآكل واضمحلال، لا سيما أن جزءاً مهما من الظاهرة السلفية الجهادية "وافد" من خارج المجتمعات المحلية التي تسودها الحروب والصراعات والفوضى، والتي تكون "دولاً فاشلة" أو قريبة منها، فضلاً عن أن هذه الجماعات المسلحة منقسمة فيما بينها، وعادة ما يحدث أن يقاتل بعضها بعضاً في أثناء الحروب والصراعات والأزمات وبعد تسويتها أو الشروع بالتفاوض حولها. وثمة أمثلة لا تحصى تدلل على ذلك، ومن جديدها القتال المحتدم بين المجموعات الإسلامية المقاتلة في الغوطة الشرقية لدمشق، سواء تحدثنا عن فيلق الرحمن أم جبهة النصرة أم جيش الإسلام وسواها.
لكن في كل الأحوال إذا صح ذلك الذي يعبّر عنه المتفائلون، فإنه لا يقلل من خطر الاطمئنان إلى  صواب رؤيتنا للدين وموقعه في المجال العام، حيث إنّ اكتشاف عورات الأحزاب الإسلاموية في سورية، والعراق، ولبنان، ومصر، وليبيا، واليمن، وغيرها، لم يفرز حالة أنضج من التدين، كما لم يصعّد جدلاً وحواراً عامين حول ضرورات تثقيف التدين. وبالتأكيد أن أحد أكبر موانع ذلك الأنظمة السلطوية التي سلبت شعوبها الحرية والعدالة وكرامة العيش وحق الإنسان في الحياة. وفي مقابل هذه الرؤية غير المتفائلة والمتحفظة، ثمة من يتبنى رؤية ثانية، تقول إن تجربة السنوات الماضية من عهد الثورات العربية، من شأنها أن تخلق من جانب وعياً مدنياً وطلباً على دولة المواطنة المتساوية، وتخلق أيضاً بذور وعي ديني أكثر نضجاً واعتدالاً وتسامحاً؛ مستفيدة من التجارب التي وضعت الأحزاب السياسية الإسلاموية، والحركات السلفية الجهادية تحت المحك والتجربة العملية، ما منح المجتمعات مقدرة أنضج وأكثر جرأة وخبرة على  مساءلة الظاهرة الدينية، والأفكار الدينية، والناطقين باسم الدين، ومنح المجتمعات من جانب آخر مناعة من الرعب من الأنظمة التسلطية.
 وفي مقابلته الأخيرة مع برنامج "بلا قيود" الذي بثته قبل أيام "بي بي سي"، أشار نائب الرئيس العراقي إياد علاوي إلى أن البيئة السياسية القائمة على الطائفية السياسية والانقسام والاضطهاد والإقصاء والفساد هي بيئة حاضنة للإرهاب وليست بيئة طاردة له. ولفت علاوي إلى أن طيفاً واسعاً من الجماهير في العراق، شيعةً وسنّة وأكراداً ومسيحيين، لم يعودوا يحتملون استمرار وطأة الطائفية السياسية وتسييس الدين، مضيفاً بأن المزاج الجماهيري تغيّر باتجاه الدعوة بقوة إلى دولة المواطنة؛ لأن هذه الجماهير أدركت أنّ من دعا إلى الطائقية السياسية وسيّسَ الدين فشل في إدارة المجتمع والدولة العراقية منذ ما بعد غزو العراق في 2003.
وعلى أهمية ما بيّنه علاوي فإن الأرجح أنّ تغيّر المزاج الجماهيري وحده لا يكفي، ولا بدّ من رؤية وثقافة سياسية واجتماعية جديدة تسود المؤسسات والإدارات ويتبناها أهل القرار والنفوذ وتقوم على تطبيق فكرة المواطنة المتساوية على الأرض وليس كشعارات فقط. ولهذا فإن الرؤية المتحفظة حيال تفاؤل المتفائلين تعتقد أنه لا مؤشرات عميقة، حتى الآن، إلا  أن ثمة مناخاً راسخاً من التعقل والتحرر يتوطن حيال النظر في الدين والتدين والطوائف والمذاهب والسلطة، ومجمل النسق القيمي والثقافي، بل على  العكس يُخشى من أن استمرار فشل الاحتجاجات على الأنظمة الفاسدة والفاشلة، من شأنه أن يكرس الحالة القدرية لدى المجتمعات العربية، ويضعف في وعيها العام أكثر فأكثر التعويل على  الإرادة الإنسانية في صناعة الحياة والمصير والمستقبل.

التعليق