جميل النمري

هل تسهم الانتخابات في تقدم المجتمع ؟!

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2017. 11:09 مـساءً

في السنوات الأخيرة كنت أتوقف أحيانا لأسأل نفسي إذا ما كانت بعض الشعارات والمقولات التي طرحناها دائما كمسلمات ليست أكثر من فرضيات نظرية وفق ما تظهره مجريات الأمور. أقصد افتراض أن الديمقراطية والانتخابات هما طريقنا  للنهوض والتقدم بالمجتمع والدولة.
اذا نظرنا إلى الجانب السلبي من الصورة فالانتخابات لم تؤد إلى أي تقدم بل إن التخلف فرض نفسه عليها وهي غذّت العنعنات العشائرية وأفسدت الأخلاق العامة بالمال والرشى والمنافع الخاصة مقابل الأصوات والمنافسة، هي بصورة جوهرية المنازعة على التصدر والوجاهة والامتيازات وليس التقدم للخدمة العامة من وجهة نظر ورؤية وبرنامج معين. أي أن الانتخابات لم تحقق الهدف النظري المفترض كوسيلة حضارية ليقرر الناس من خلالها مستقبلهم ومن يحكمهم وكيف يحكمهم. وأيا كانت نسبة الديمقراطية المتحققة ولنقل إنها نصف ديمقراطية فالنتيجة الملموسة أنها لم تساهم في تقدم المجتمع وتطوره ولا الارتقاء بالأداء العام. وهذه الحقيقة أو هذا الجانب من الحقيقة يزكّي مقولة المحافظين المتشددين بأننا لسنا مجتمعا جاهزا للديمقراطية بعد. ونحن، المتحمسين جدا للديمقراطية، كنا نرى أنّ هذه مقولة زائفة تريد فقط تبرير التهرب من الاستحقاق الديمقراطي من قبل القوى القديمة المتنفذة صاحبة الامتيازات.
النتائج المتحققة حتى الآن لم تجعل المجتمع أكثر حماسا لفكرة الديمقراطية والانتخابات، ويمكن أن تلمس اللامبالاة خارج الدائرة القريبة من المرشحين. وما جعل الإقبال أفضل في المحافظات وخارج المدن الكبرى هو بالفعل سعة صلات القربى مع المرشحين والمنافسة العشائرية على التصدر. ويستمد البعض من الظواهر التي ترافق العمليات الانتخابية أننا مجتمع لا تنفع معه الديمقراطية وعليه لا يبقى من حل إلا العودة إلى تلك العبارة الشهيرة للشيخ محمد عبده "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل" مع أنه لم يقصد أبدا الحاكم الطاغية المتفرد فهو أشبع الاستبداد والطغيان نقدا في كتاباته كما فعل الأفغاني وكذلك الكواكبي صاحب كتاب "طبائع الاستبداد" وهم من رموز التنوير في أواخر القرن التاسع عشر.
لننظر الى الأمر من زاوية معاكسة.. هل كنا سنتقدم أفضل بدون الديمقراطية والانتخابات؟! ليس هناك بالتحليل ما يدعم هذا الافتراض ولن يتقدم المجتمع بحكومات هي نتاج الواقع المتخلف وفوق ذلك لا تخضع للمحاسبة والمساءلة ويمكن كما حصل سابقا أن توغل في الفساد والمحسوبيات ولا يتاح للناس وللإعلام نقدها. وبالمحصلة يمكن القول إذا لم نتقدم بالديمقراطية والانتخابات كثيرا فليس متوقعا أن نتقدم أفضل بغيابهما.
هذه المقدمة الطويلة هي للتعليق على انتخابات أول من أمس وهي من أكبر العمليات الانتخابية التي شهدتها البلاد، فقد وصل عدد المرشحين إلى ما يقارب 7 آلاف مرشح لما يزيد على ألفي مقعد متاح للمجالس المحلية والبلدية والمحافظات وهذه أكبر نسبة تمثيل لهيئات منتخبة في تاريخ المملكة.
من منظور ضيق للمرشحين وحملاتهم الانتخابية المحلية فالمشهد لا يبدو مشجعا، لكن من منظور أوسع للحراك المجتمعي الذي صنعته الانتخابات والصلات التي ستنشأ بين المواطنين وممثليهم، وانخراط هذا العدد من المواطنين في الحملات الانتخابية وخصوصا المشاركة النسائية الواسعة فإن هذا محرك قوي للتقدم ولو بدون نتائج فورية ومباشرة. وقد كان ملفتا فوز عدد وافر من النساء على التنافس وبدون الكوتا وهذا في مناطق ريفية أو بدوية لم يكن للمرأة فيها أي حضور عام لبضع سنوات خلت.
ولا نغفل التقدم في ادارة الانتخابات رغم بعض الحوادث المعزولة والتزام معايير الشفافية والنزاهة التي تؤسس لأعراف ثابتة وثقة أعلى في العملية الانتخابية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مش اختراع اردني (بسمة الهندي)

    الخميس 17 آب / أغسطس 2017.
    بتعرف استاذ النمري بحس أن كثير من النقاش في بلدنا حول الديمقراطية والانتخابات يبدو وكأنه يفترض أن الديمقراطية اختراع أردني في مرحلة التجريب. الديمقراطية هي اليوم مفهوم عالمي جرب في كثير من دول العالم وهناك كثير من الأدبيات التي تتناول الموضوع. الأمم المتحدة وكثير من المنظمات الدولية توزع كتب مجانية تشرح الديمقراطية.
    الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية البشرية ليست اختراعات أردنية، تحاول بعض شعوب العالم النامي أن تتبناها حتى تصبح مثل الدول المتقدمة وترتقي شعوبها. القصة قصة رغبة في التبني والتطبيق.
    من نحنا صغار وبنعرف أن هناك ترابط بين حقوق الانسان والديمقراطية والتنمية.