علاء الدين أبو زينة

كثرة الاجتراء على "الرواية"..!

تم نشره في الأحد 20 آب / أغسطس 2017. 12:08 صباحاً

يعرف المشتغلون بالأدب والنقد أن كتابة رواية ترقى إلى الوفاء بالشروط الفنية لهذا الضرب ليست مرتقى وسهلاً. ومع ذلك، هناك ضمن العدد المتواضع من معارفي الشخصيين وأقاربي نحو عشرة أشخاص كتبوا "روايات" منشورة. وفي الحقيقة، يبدو هذا الرقم مرتفعاً جداً في دائرة صغيرة. وإذا جرى الاستئناس بمعايير الرواية الجيدة للحكم على هذه الأعمال، يتولد انطباع بأنه كان بالوسع ادخار الجهد المبذول في هذه المحاولات واستعماله في شيء آخر.
حسب الخبرة، لا تكفي قراءة المرء آلاف الروايات وأي كتب أخرى لتجعل المرء روائياً. وحتى الكُتّاب المبدعون في ضروب القصة القصيرة أو المسرحية والشعر والمقالة، ربما لا ينجحون في كتابة الرواية. ولذلك، لا ضرورة أساسية لإنتاج "المثقف" نصاً روائياً حتى يقتنع بأنه بلغ الكمال في الثقافة والفكر. وعلى الرغم من أن جزءاً من الكتابة يستند إلى معرفة التقنيات والشروط، فإنه يتعلق أيضاً باستعداد فطري لدى الكاتب للإبداع في أحد الضروب، وليس غيره بالضرورة.
قد يكون أفضل معيار لقياس جودة الرواية، هو مدى التأثير الذي تتركه في المتلقي وقدرتها على ملامسة المشترك الإنساني. ولذلك، تنجح الروايات العالمية في إقامة صلة وثيقة مع مختلف أنواع القُراء، من أي ثقافة وبيئة، وفي أي زمن. وفي كثير من الأحيان، كفلت رواية واحدة جيدة لصاحبها الخلود ووضعته في مصاف كبار الروائيين. ومن الأمثلة، رواية إيملي برونتي الوحيدة "مرتفعات ويذرنغ"، ورواية مارغريت ميتشل الوحيدة "ذهب مع الريح"، ورواية بوريس باستيرناك الوحيدة "دكتور زيفاغو" من بين آخرين. ويعرف الذي قرأ هذه الروايات الخالدة الأسباب التي جعلت منها كذلك.
في المقابل، يكتب البعض "رواية" ربما لا يفهمها إلا هو. أو أنها لا تترك بعد الانتهاء منها أثراً يُعتد به في نفس القارئ. وقد يرى هؤلاء "الروائيون" أن تجاربهم الخاصة غنية بما يكفي لتحبيرها على الورق وإتحاف الآخرين بها. لكن جزءاً من غنى التجربة ينبغي أن يكون القدرة على تقدير أهمية ما يرغب المرء في نشره، وإدراك المخاطر التي تنطوي عليها محاولة الدخول في مملكة الرواية صعبة المسالك.
في الحقيقة، ربما يحتاج إنتاج الرواية، بالإضافة إلى التجربة الذاتية، إلى مناخات مُلهِمة أو تحولات اجتماعية فريدة تُزوِّد الروائيين بالموضوع والمعنى. وعلى سبيل المثال، وفّر المجتمع المصري الناهض في أوائل وأواسط القرن العشرين للروائيين المصريين مادة غنية في شكل التفاعلات والتغيرات التي تمور في كل مكان. وكانت جِدّة الضرب على الثقافة العربية أيضاً عامل جذب ومغرية بالتجريب. وبشكل عام، نجحت الروايات التي استعانت في موضوعاتها وتقنياتها بتحولات كبيرة في الواقع والنظرية.
بذلك، يؤثر ركود المشهد العام غالباً على طبيعة النتاج الأدبي. وعلى سبيل المثال، وفرت النهضة الأوروبية، أو الحروب العالمية والاستعمارات مادة روائية هائلة. لكن غياب الأحداث الكبيرة يُفقر مادة الرواية. وإذا أفرط المرء في الاعتماد على الاختلاق –مع تواضع ملكات التخيل- فإنه لن يؤلف رواية مقنعة. ولعل من المدهش أن يتمكن عدد كبير نسبياً من الناس من حولنا كتابة "روايات" في المناخات السائدة. من أين يجيئون بالمادة؟ وما الجديد الذي يضيفونه في نهاية المطاف؟
على أي حال، يمكن أن تعثر المخيلة الخصبة والمبدعة على موضوعات روائية في الحياة الثرية حقاً مهما بدت فقيرة. لكنّ ولادة الروائي الحقيقيّ ليست شيئاً متاحاً على قارعة الطريق. وليس من المعقول أن يجرؤ كل منخرط في أوساط الثقافة على اجتياح منطقة الرواية (بمعنى كتابة نص "روائي" ونشره في كتاب)، على اعتبار أنه مؤهل قَبلياً لأن يكون روائياً. وفي الأول والأخير، لا عيب في أن يكون المرء باحثاً أو أكاديمياً أو كاتب مقال أو شاعراً أو كاتب قصة قصيرة –أو حتى مجرد متذوق أصيل للفن والأدب. وربما ينبغي التخلص من وهم أن كل من احتك بالثقافة ينبغي أن يكون روائياً حتى يكتمل. وحبذا لو توقف المرء طويلاً قبل أن يجترئ على دق باب الرواية، لمجرد أن يضع في بيتها شيئاً لا تحتاجه ولا يفعل أكثر من الإضافة إلى اكتظاظ المشهد.

التعليق