تشارلوتسفيل، "داعش"، والولايات المتحدة

تم نشره في الاثنين 21 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً
  • جندي أميركي على متن طائرة عمودية أميركية فوق العاصمة الأفغانية كابول - (أرشيفية)

توماس ل. فريدمان - (نيويورك تايمز) 16/8/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

العُديد، قطر- كنت مسافراً على الطريق منذ عملية القتل في تشارلوتسفيل. فأنا أسافر في أنحاء العالم العربي وأفغانستان مع قائد سلاح الجو الأميركي الجنرال ديفيد غولدفين؛ ورئيسته المدني، وزيرة سلاح الجو هيذر ولسون، ومساعديهما. ونحن نتواجد الآن في قاعدة العديد الجوية العملاقة في قطر، التي تدير منها أميركا حالياً كامل الحرب الجوية ضد "داعش" في سورية والعراق وأفغانستان.
مع كل الأخبار الواردة من تشارلوتسفيل، انتابني شعور بأنني موجود في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. ثم نظرت من حولي هنا، وأصبحت الصلة مع تشارلوتسفيل واضحة. وما عليك سوى أن تلقي نظرة واحدة وحسب إلى فريقنا المسافر والطواقم في هذه القاعدة، حتى تدرك على الفور لماذا نحن أقوى بلد في العالم.
ليس لأننا نمتلك طائرات (ف-22). وبالتأكيد ليس لأننا نتبنى عقيدة تفوق البيض. بل لأننا نتبنى التعددية. ولأننا ما نزال قادرين على أن نصنع من المتعدد واحداً.
أنا تفوقي تعددي. كيف يمكن أن لا أكون كذلك؟ إنني أنظر من حولي فأشاهد قائد سلاح الجو الأميركي المتحدر من أصل يهودي أوروبي شرقي، وهو يقدم تقاريره لامرأة هي وزيرة سلاح الجو، والتي كانت من بين أوائل النساء اللواتي تخرجن من أكاديمية سلاح الجو، والتي أكبر مساعديها امرأة أميركية إفريقية برتبة لفتنانت كولونيل. وقائد القاعدة هنا في قطر، والذي يشرف على كل الحرب الجوية من أصل أرمني، ونائبه الأعلى من أصل لبناني.
في مركز المراقبة، تم تقديمي لجنديين أميركيين يتحدثان الروسية، يتوليان ما بين 10 إلى 12 مرة في اليوم التحدث عبر "الخط الساخن" المحلي مع مركز القيادة الروسية في سورية، لضمان عدم تصادم الطائرات الروسية مع طائراتنا. وكان أحد هذين الجنديين قد ولد في روسيا والآخر غادر كييف في أوكرانيا قبل خمسة أعوام فقط، فيما جاء في جزء لأنه حلم، كما قال لي، بالانضمام إلى سلاح الجو الأميركي: "هذا هو بلد الفرصة".
ثم نستمع إلى إيجاز من فريق إبداع القتال الذي يصمم لوغاريتمات جديدة من أجل استهداف ديناميكي مع زملاء في وادي السيليكون. وأسأل قائدهم عن اسمه الأخير -إيتو- ويفسر لي: "والدي من كوبا ووالدتي من المكسيك". وكان الذي قدم الإيجاز الاستخباراتي هو "الكابتن يانغ".
السبب في أن أميركا هي القوة المطلقة في هذه المنطقة يعود إلى حقيقة أن الجيش الأميركي يستطيع استيعاب كل هؤلاء الناس المختلفين ويقوم بتحويلهم إلى قبضة. كما أن السبب الرئيسي في أننا متمسكون بهذه المنطقة ولا نستطيع الخروج منها هو أن الكثير جداً من الدول القومية والناس هنا يقاتلون فقط من أجل تحقيق أحلامهم الحصرية بالتفوق -تفوق الشيعة؛ وتفوق السنة؛ وتفوق العلويين؛ وتفوق طالبان؛ والتفوق التركي والتفوق الفارسي.
وباستثناءات قليلة، لا يستطيع هؤلاء توليد تقاسم للسلطة يستطيع أن يديم نفسه. وهو السبب الكامن وراء استمرار إلحاقنا الهزائم بأسوئهم وهم يستمرون في خسارة السلام لأن أفضلهم لا يستطيعون تقاسم السلطة لأمد طويل وعميق بما يكفي لبناء استقرار دائم.
لا يتحدث أحد من العسكريين الأميركيين هنا في السياسات الأميركية. لكنني أتحدث. وكمواطن، أقول إنهم يستحقون قائداً عاماً لا يحتاج إلى ثلاث محاولات لكي يدين على مضض جماعة نزعة التفوق العرقي البيض العنيفين. فالتعددية هي مصدر قوتنا الحقيقية في الوطن وفي الخارج على حد سواء. ويجب تغذيتها والاحتفاء بها وحمايتها من أعدائها في كل مكان وفي كل وقت.
الآن دعونا نتحدث استراتيجياً بعد أن أخرجت ذلك من قلبي. تجولنا في مركز القيادة بشاشته التي بحجم الجدار والتي تستقي البيانات من الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة والطائرات التي يقودها طيارون والفضاء السيبراني والمستشعرات والاستخبارات البشرية وخزانات إعادة التزود بالقود في الجو، ومزجها لتتحول إلى سلسلة من قرارات الاستهداف الاستراتيجية. وتشكل مشاهدة المخطط الذي لكل هذا تجريبة مخيفة ومدهشة جداً على حد سواء.
شرح الجنرال غولدفين أننا ننتقل الآن من "حروب الاستنزاف إلى حروب المعرفة"، وأضاف أن هذه الأنظمة المدمجة هي بالتزامن "حالة فن لا تضاهى -وبطيئة جداً بالنسبة للمستقبل".
في أحد الأيام الأخيرة، كان باستطاعتك النظر إلى تلك الشاشات لتجد طائرة مقاتلة سورية تستعد لإسقاط قنابل بالقرب من قوات أميركية خاصة في سورية. وكانت النفاثة السورية على وشك التعرض للنسف في الجو من جانب نفاثة مقاتلة أميركية، بينما كانت مقاتلتان روسيتان تراقبان من ارتفاع أعلى، وطائرة أميركية من طراز "الشبح" (ف-22) تراقب الطائرتين الروسيتين اللتين كانتا تراقبان الطائرة الأميركية التي تراقب الطائرة السورية.
بينما كان ذلك يحدث، تهيأ النظام الصاروخي السوري الساحلي سطح-جو فيما كانت طائرات تركية وأردنية وإسرائيلية تمر خارج مسرح العمليات. وعلى أساس يومي تقريباً، تتولى طائرة مسيرة إيرانية الصنع موجهة من عناصر الحرس الثوري الإيراني في صحراء شرق سورية البحث عن القوات الأميركية الخاصة. وقد أسقطنا طائرتين منها أيضاً.
لو حاولت بيع هذه الدراما الحقيقية لشركة ألعاب فيديو، فسوف يتم رفضها على أساس أنها غير واقعية.
مجرد مقاتلة أميركية واحدة فوق سورية -وهي لدينا الآن في الجو هناك على مدار الساعة- يجب أن تتزود بالوقود في الجو ثماني أو تسع مرات خلال مهمتها التي تستغرق ثماني ساعات. أضف إلى ذلك حقيقة أنه في العراق وأفغانستان وفي أي يوم آخر، ينسق سلاح الجو مع ما يصل إلى 60 ناقلة "كيه سي-135" (محطات وقود جوية)، والتي تعمل فوق هذه البلدان الثلاثة.
في الأثناء، يشتري "داعش" طائرات مسيرة من مواقع تسويق على الشبكة الإلكترونية، ويزودها بكاميرات "غوبرو" وقنابل يدوية لتسقطها على القوات الأميركية والعراقية، أو أنه يحمل سيارات الدفع الرباعي المدرعة بمتفجرات ومفجر انتحاري ويحولها إلى عربات موت تقاد مباشرة لتنفجر في وسط قواتنا أو حلفائنا.
الأخبار الجيدة؟ بعد أن هُزم "داعش" إلى حد كبير في العراق، فإنه سوف يهزم بالتأكيد في سورية أيضاً على أيدي الأميركيين والأكراد والروس والسوريين والإيرانيين والمليشيات الموالية لإيران. الأخبار السيئة؟ ثمة فرصة جيدة لأن تؤول أراضي "داعش" في نهاية المطاف إلى السيطرة الإيرانية.
للحيلولة دون تحقق ذلك، مطلوب من العالم العربي المسلم السني رص صفوفه، لكنه ضعيف ومقسم كما هو حاله دائماً. وهذا ما يفسر السبب في أن إيران تسيطر حالياً على أربع عواصم عربية: بيروت وبغداد وصنعاء ودمشق. وما يخيف حقاً هو أنها تسيطر على هذه العواصم بثمن بخس جداً من خلال وكلاء. ونحن نستطيع هزيمة تطرف "داعش" بآلتنا القتالية التعددية، لكن الشيء الوحيد الذي لا نستطيع فعله هو خلق تعددية سنية-شيعية وتقاسم سلطة ليحل محلها. وهذا ما يفسر السبب في جرنا لكي نعود -وليس لنجعل الأمور أفضل، وإنما كما دائماً، لمنع السيئ من أن يصبح المريع.
لقد أردنا أن تكون الأمور أفضل، لكنها أبت. لقد حاولنا. ولكن، هل نواصل المحاولة وحسب؟ إنك لا تستطيع أن تزور واحدة من هذه القواعد الأميركية الضخمة التي بنيت منذ 11/9 وتشاهد إخلاص الرجال والشابات وتطور الأنظمة التي بنوها من دون أن يصيبك العجب: ماذا لو تم استخدام هذه الموهبة والطاقة والمثالية والتعددية، ليس لتعزيز نظام الدولة العربية المتهالك في وجه إيران، وإنما لإصلاح أسوأ ضواحي بالتيمور وشيكاغو وديترويت؟
إننا نحتاج إلى إجراء نقاش قومي حول هذا الموضوع.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Carlottesville, ISIS and Us

التعليق