رحيل محفوظ عبد الرحمن: "حكّاء الدراما المصرية"

تم نشره في الاثنين 21 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً
  • الكاتب والسيناريست المصري الراحل محفوظ عبد الرحمن - (أرشيفية)

عمان - الغد - توفي أول من أمس، الكاتب والسيناريست المصري محفوظ عبد الرحمن، بعد صراع مع المرض، حيث نقل إلى المستشفى في تموز (يوليو) الماضي إثر تعرضه لوعكة صحية ووضعه الأطباء رهن العناية الفائقة.
وقال وزير الثقافة المصري حلمي النمنم في بيان إن عبد الرحمن "كان أحد أهم المؤلفين الذين برعوا في تصوير الواقع المصري من خلال أعماله الأدبية والإبداعية، ومنها مسلسلا بوابة الحلواني وأم كلثوم".
وقدم الوزير العزاء إلى الممثلة سميرة عبد العزيز أرملة عبد الرحمن، قائلا إن الكاتب الراحل "سيظل حاضرا في قلوب وعقول المصريين".
كما نعت هيئات رسمية عديدة الكاتب الراحل، منها الهيئة الوطنية للإعلام، والمركز القومي للمسرح والموسيقى، والمركز الكاثوليكي للسينما، والجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما.
يشار إلى أن عبد الرحمن تخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة العام 1960 وعمل لبضع سنوات في مؤسسة "دار الهلال" الصحفية، قبل أن ينتقل إلى وزارة الثقافة.
خاض عبد الرحمن جميع مجالات الكتابة الفنية من المقال إلى القصة إلى المسرحية إلى الدراما التلفزيونية وصولا إلى السينما.
ومن أبرز مسرحياته "عريس لبنت السلطان" و"السلطان يلهو" و"الحامي والحرامي" و"بلقيس" التي عرضت في القاهرة العام 2011.
كما كتب ثلاثة أفلام سينمائية هي "ناصر 56" الذي عرض العام 1996، و"حليم" الذي عرض العام 2006.
أما الثالث فأنتجته له السينما العراقية العام 1981 وهو فيلم "القادسية" للمخرج المصري صلاح أبو سيف، وبطولة المصريين سعاد حسني وعزت العلايلي وليلى طاهر، والعراقيين شذى سالم وطعمة التميمي وحسن الجندي والسورية هالة شوكت.
أبدع في الدراما التلفزيونية فتحققت له شهرة كبيرة، وكتب أيضا للإذاعة مسلسلات منها "طلعت حرب" عن حياة رائد الاقتصاد المصري الذي أسس "بنك مصر" عام 1920.
حظي عبد الرحمن بتقدير كبير من عدد من المؤسسات والجوائز خاصة في بلده مصر التي منحته جائزة الدولة التشجيعية العام 1972، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون العام 2002، وجائزة النيل في الفنون العام 2013، وهي أرفع الجوائز المصرية.
وكانت جريدة "اليوم السابع" المصرية، نشرت مادة مطولة عن الراحل خلال تواجده في المستشفى، بينت فيها أنه عبد الرحمن يشكل نموذجا للمثقف الوطنى الذى يحظى بإعجاب وتقدير النخب ورجل الشارع معا على امتداد العالم العربى، بينما كانت تبتهل القلوب، وترتفع الدعوات بأن يتجاوز "شاعر الدراما التلفزيونية التاريخية" محنته الصحية ويعود للإبداع برؤيته القومية النبيلة وانحيازاته الأصيلة للقيم الجمالية والأخلاقية.
وكانت الفنانة الكبيرة سميرة عبد العزيز دعت كل محبى زوجها بالدعاء له بعد تعرضه لأزمة صحية مؤخرا.
ومحفوظ عبد الرحمن تنوعت وتعددت إبداعاته ما بين المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون، فيما عمل فى عدة إصدارات صحفية من بينها إصدارات لدار الهلال قبل أن يتجه إلى العمل فى وزارة الثقافة اعتبارا من العام 1963. ولم يخل اختياره من دلالة عندما رحب بالعمل فى قسم الوثائق التاريخية.
وكذلك لم يخل أول سيناريو لمسلسل تلفزيونى بقلمه من دلالة عندما اختار فى مطلع سبعينيات القرن العشرين قصة "العودة من المنفى" التى يتناول فيها القاص والمبدع الراحل أبو المعاطى أبو النجا شخصية المناضل عبد الله النديم.
وصاحب أفلام (ناصر 56) والعندليب"او"حليم" و"القادسية" وعدة أفلام تسجيلية وقصيرة رأى أن "مخاطبة الآخر قضية مهمة جدا وأن السينما من أهم العناصر فى هذا الخطاب" فيما كانت الكاتبة والناقدة سميرة أبو طالب أصدرت كتابا عن السيرة الذاتية لهذا المثقف المصرى الكبير بعنوان:"محفوظ عبد الرحمن: مقاطع من سيرة ذاتية".
وترى سميرة أبو طالب أن محفوظ عبد الرحمن نموذج "للمثقف المقاوم للمخاطر التى تحيط بالكيان العربى سواء على مستوى البشر أو الحجر"، موضحة أنه "صاحب الكلمة الثائرة والرافضة للأوضاع العربية المترهلة" فيما يرتكز على منظومة قيم ثقافية وطنية وإنسانية تسطع فى قلبها قيمة الالتزام.
وتتجلى قيمه الوطنية والإنسانية فى كتاباته للمسرح مثل:"غريب لبنت السلطان" و"حفلة على الخازوق" و"الحامى والحرامي" و"كوكب الفيران" و"الفخ" و"ما أجملنا" و"بلقيس" فيما عرف أيضا بروحه الإيجابية فى المجال الثقافى العام وهو مؤسس ورئيس مجلس إدارة "جمعية مؤلفي الدراما" وصاحب دعوة مستمرة تؤكد أهمية التواصل بين الأجيال" كما انه "الباحث الدؤوب بين الوثائق التاريخية والكتب".
ولمحفوظ عبد الرحمن إبداعات فى القصة القصيرة شكلت بدايات مسيرته الإبداعية المديدة، كما أنه صاحب طروحات نقدية فى الأدب عرفت طريقها للنشر فى العديد من الصحف والمجلات الثقافية، فضلا عن عمله كسكرتير تحرير لمجلات "السينما" و"المسرح والسينما " و"الفنون".
ويتفق النقاد على أن محفوظ عبد الرحمن ينطلق فى إبداعاته المتنوعة والمتعددة من "روح المحبة ورصد الأثر الباقى الذى يمكث فى الأرض وينفع الناس" مع التزام أصيل بالحفاظ على مصداقيته ككاتب مصرى ينتمى لأرض الكنانة والأمة العربية.
والمجموعة القصصية الأولى للراحل صدرت العام 1967 بعنوان: "البحث عن المجهول" بينما جاءت مجموعته القصصية الثانية العام 1984 بعنوان: "أربعة فصول شتاء" وقبل ذلك كانت روايته الأولى "اليوم الثامن" قد نشرت العام 1972، ونشرت روايته الثانية "نداء المعصومة" العام 2000 فى جريدة الجمهورية.
وفيما باتت الدراما التاريخية "عنصرا أساسيا فى الوجبة الإبداعية التلفزيونية" يبقى محفوظ عبد الرحمن فارس الدراما التاريخية على الشاشة الصغيرة بأعمال خالدة فى الوجدان المصرى والعربى ككل، شملت أكثر من 20 مسلسلا تلفزيونيا مثل: "سليمان الحلبي" و"بوابة الحلواني" و"عنترة" و"ليلة سقوط غرناطة" و"ليلة مصرع المتنبي" و"السندباد" و"اهل الهوى" ناهيك عن مسلسله الشهير"أم كلثوم".
وإذا كان محفوظ عبد الرحمن قد وصف "كوكب الشرق" أو كلثوم بأنها "وحدت الأمة العربية فى السماع" فإن هذا الكاتب الكبير برؤيته القومية وصياغته التلفزيونية التى تحلق لآفاق الشعر هو أحد أهم من "وحدوا الأمة العربية فى المشاهدة الدرامية التلفزيونية" فيما أعرب عن اعتقاده بأن "الدراما العربية متكاملة" وتمنى أن تكون هذه الدراما التلفزيونية العربية "كتلة واحدة فى عصر العولمة".
و"الدراما التاريخية" عند محفوظ عبد الرحمن "مزيج من وقائع تاريخية ووقائع خيالية" فيما أوضح فى مقابلة صحفية :"حتى المعلومات التاريخية أنت تعيد تخيلها وتكتبها بأسلوب جديد" كما يلفت نقاد إلى أنه يتناول التاريخ برؤية ناقدة وعينه على المستقبل.
ولا ريب أن "شاعر الدراما التاريخية التلفزيونية" كان لرأيه كل الأهمية فى سياق الجدل الذى شهدته الساحة الثقافية المصرية فى شهر رمضان الماضى حول الدراما التاريخية فيما تتقرب رؤيته من الرأى القائل بأن "صانع الدراما التاريخية لا ينقل أحداثا ووقائع" فهو ليس "عملا توثيقيا"، كما يذهب أصحاب هذا الرأى إلى أن "العمل الدرامى له معاييره الفنية والجمالية" ولا يجوز أن " نخلط بين التاريخ من حيث هو علم اجتماعى والدراما بصفتها عملا فنيا".
علا الشافعى، كتبت عن الراحل أثناء فترة مرضه أيضا، مؤكدة أنه "حكّاء الدراما المصرية"، وقدم إضاءات وتجليات فنية عاشت معنا من التتر وحتى الشخصيات التى رسمها بحرفية عالية
وبينت أنه "الأستاذ والمبدع المخضرم والحكاء الذى يحكى تماما مثلما يكتب، حيث لا يخلو حديثه من البساطة والعمق فى آن واحد"، لافتة إلى أنه عشق الكتابة إلى درجة الذوبان فيها، وأعطاها الكثير فهى كانت تأخذ كل وقته وتفكيره دوما".

التعليق