لماذا يعد نموذج التنمية الأفريقي لغزا للاقتصاديين؟

تم نشره في الأربعاء 23 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً

ترجمة: ينال أبوزينة

عمان- من السهل ابتياع "روليكس" في أوغندا –وإن لم تكن من النوع الذي يعطيك الوقت. فهي تباع في جميع الأكشاك المنتشرة على قارعة الطريق. وليس "الروليكس" الأوغاندية أكثر من وجبة دهنية خفيفة، لا تتعدى كونها لفافة بيض.
ويتنافس الباعة جنبا إلى جنب في بيع الوجبة نفسها، وكذلك سائقو الدراجات النارية وسيارات الأجرة، المسارعين للفوز براكب؛ أو أصحاب محال البقالة الصغيرة، التي تبيع تقريبا البضائع نفسها. وفي أوغندا، مثلها مثل الكثير من الدول الأفريقية، دائما ما يلقى اقتصاد الخدمات غير الرسمي ازدحاما كبيرا. ولكن من الصعب في الوقت ذاته إيجاد وظيفة في أي مكان آخر.
وفي العام الماضي، نما الناتج المحلي الإجمالي في دول جنوب الصحراء الأفريقية بنسبة 1.4 %.
وانخفض الدخل لكل فرد من جهته. لكن النمو نفسه ليس القضية التي تزعج صناع القرار والأكاديميين: ففي معظم القرن الحالي، كانت الاقتصادات الأميركية بين الأسرع نموا في العالم. ولطالما كان السؤال الذي حيّر المراقبين يتبلور حول: من أين أتى هذا النمو؟ في العام 1954 قال آرثر لويس (اقتصادي حاز على جازة نوبل) إن التنمية والتطوير أمور تحدث عندما ينتقل العمال من القطاع "التقليدي" غير المنتج –أنشطة مثل زراعة الكفاف أو التجارة الصغيرة- إلى مزاولة الأنشطة العصرية الرأسمالية.
ويتتبع البحث الذي قام عليه كل من مارغريت كاميلان من جامعة "توفتس"، وداني رودريك من "هارفارد"، إلى أي مدى اتبعت أفريقيا هذا النمط. وقد ميز الباحثان تقليدين اثنين للتفكير بالنمو، يركز أحدهما على رفع الإنتاجية العمالية داخل قطاعات الاقتصاد، عبر إضافة رأس المال أو تحسين المهارات والتكنولوجيا. ويشدد الآخر على التغيير الهيكلي بينما ينتقل العمال بين القطاعات المختلفة. وبواقع الحال، يتجاوز إنتاج المصنع الأفريقي العادي بخمس مرات إنتاج نظيره في قطاع الزراعة. وإذا ما نقلت الأفراد من المزارع للعمل في المصانع أو قطاعات الخدمات ذات القيمة العالية وسيتبع ذلك نموا قوياً. وكتجربة فكرية، خذ باعتبارك تغيير التوزيع القطاعي للعمال الأفارقة ليطابق ذلك في الدول المتقدمة، وسوف ترتفع الإنتاجية في أثيوبيا بستة أضعاف المرة؛ في حين يمكن أن تتجاوز في السنغال الأحد عشر مرة.
ومع ذلك، نادرا ما تكون الأمور بغاية البساطة. ففي تسعينيات القرن الماضي، جاءت آثار التغيير الهيكلي في دول جنوب الصحراء الأفريقية عكسية؛ حيث ضربت معدلات النمو سلبا. وفي زامبيا، على سبيل المثال، عاد العمال إلى حقولهم الزراعية عقب إغلاق الصناعات والمناجم. ولكن في الألفية الجديدة، زاد الزخم مجددا.
وشكل التغيير الهيكلي، في الفترة الممتدة بين العام 2000 والعام 2010، تقريبا نصف نمو الإنتاجية في عينة القرن الراحل.
وكان التأثير قويا على نحو غير اعتيادي في الأماكن التي تضم الكثير من المزارعين، مثل أثيوبيا ومالاوي وتنزانيا. وبشكل إجمالي، انخفضت نسبة الأفارقة العاملين في القطاع الزراعي بنسبة 11 %.
ولم تكن هذه بمثابة ثورة صناعية رغم كل ذلك. فمن كل عشرة عمال تركوا معاولهم، وجد اثنان منهم فقط طريقهم إلى الصناعة. واستوعب قطاع الخدمات البقية. ووفرت مدن مثل نيروبي الوظائف للمهنيين المهرة في التكنولوجيا والتمويل. لكن أكثر العمال سقطوا في دائرة إما تركيب كبائن الهواتف لا المشاركة في تطوير تطبيق هاتفي معين؛ أو بيع الألبسة المستعملة لا خياطة ألبسة جديدة.
وفي المدن الغارقة بالنفط مثل لواندا ولاغوس، شغل العمال مواقع الإنشاءات أو انتظروا أدوارهم على موائد الأغنياء. وفي هذا الخصوص، قال ياو آنسو من المركز الأفريقي للتحول الاقتصادي، المؤسسة الفكرية التي تتخذ من غانا مقراً لها: "كان هناك تغيير هيكلي، لكنه ليس من النوع الذي يحسن حيوات الناس".
وفي شرق آسيا، حدث نوعا النمو في آن واحد: فقد انتقل عمال القطاعات الأكثر إنتاجية، بينما ارتفعت الإنتاجية في هذه القطاعات أيضاً. ولذلك فإنه للغز آخر أنه في المدن الأفريقية التي شهدت تغييرا هيكليا واسع النطاق، انخفضت الإنتاجية خارج قطاع الزراعة في كثير من الأحيان.
ومن بريطانيا القرن التاسع عشر إلى فيتنام القرن الحادي والعشرين، اعتمد النمو المستدام على التصنيع، لاسيما وأن المصانع تخلق فرصا وظيفية للعمالة ضعيفة المهارة بطبيعتها. وكما أوضح  رودريك، تميل إنتاجية التصنيع في الدول الفقيرة إلى اللحاق بأكثر الاقتصادات تقدما في الوقت الراهن، حتى في مناطق تواجد المؤسسات غير المطابقة للمواصفات أو الجغرافيا السيئة. ولكن التصنيع الأفريقي ركد على حين غرة، وتغيرت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي قليلاً منذ سبعينيات القرن الماضي.
وخسرت العلاجات الأرثوذكسية، التي ركزت على تشذيب التنظيم وتحسين الحكم، جاذبيتها. لذلك أصبح هناك إنتعاش للاهتمام بالسياسات الصناعية. وتختبر أثيوبيا، التي كانت العمالة التحويلية فيها تماثل خمس أضعاف الموجودة في القرن الحالي، حاليا هذا النهج. وتصف ورقة بحثية قامت عليها كل من كارولينا ستارتيز ولينزي وايتفيلد لمركز الاقتصادات الأفريقية، في جامعة "روسكيلد" الدنماركية، كيف شجعت الحكومة مصدري الألبسة الآسيويين على فتح مصانع في المناطق الصناعية، مع حماية الشركات المحلية في السوق المحلية. ويساعد الاستثمار الأجنبي أيضاً، في حال كانت الشركات متعددة الجنسيات تتصل بالموردين المحليين وتقاسمهم الأسهم.
جعل الأمور أصعب
رغم هذه المعطيات، فإن سجل السياسة الصناعية التداخلية مؤسف في كل مكان آخر. وأصبح التصنيع قديم الطراز أكثر صعوبة من ذي قبل. فالأتمتة تحول الصناعة التحويلية، في الوقت الذي تصبح فيه بديلا للعمال في الدول ذات مستويات الدخول الأضعف لكل فرد. والنتيجة هي أن أصبح الأفارقة يتنافسون ليس فقط مع ذوي الدخل المنخفض في بنغلادش أو غيرها، وإنما مع الآلات ذات الأجور الأقل أيضا. وربما يكون طريق التنمية المتبع في اليابان، وبين نمور آسيا الشرقية، وخاصة الصين –وهو التحرك من الزراعة إلى التصنيع منخفض الأجور مثل تصنيع الألعاب والملابس- يميل نحو الإندثار. وقد تغيرت أنماط التجارة أيضاً. فبدلا من إنتاج المنتجات النهائية في دول واحدة، أصبح على الصناعات الأفريقية أن تتحول إلى سلاسل التوريد العالمية.
والتغيير الهيكلي يتعدى المصانع بواقع الحال. حيث يشدد جون بيج من مؤسسة "بروكينغز"، الفكرية الأميركية، على أهمية "الصناعات التي لا ينشب عنها الدخان" (ويعني المصانع): القطاعات القابلة للتداول والمنتجة، مثل قطاع قطف الزهور ومراكز الاتصال والسياحة. وتروج أوغندا، بجبالها المليئة بالغوريلات ونيلها، حتى وجبة الروليكس الخاصة بها لغرض السياحة. ويمكن لأفريقيا أن تحذو حذو نجاحات مناطق أخرى، مثل شرق آسيا. لكنها ستسلك طريقا مغايرا لتحقيق ذلك.

"الإيكونوميست"

التعليق