مجمع سفريات المحطة.. سوق الفقراء ‘‘داقر‘‘ أيضا ولكن السبب مختلف!

تم نشره في السبت 26 آب / أغسطس 2017. 11:13 مـساءً
  • حركة تسوق ضعيفة جدا داخل المجمع -(الغد)
  • متسوق في سوق البسطات خارج مجمع المحطة -(من المصدر)
  • تشكيلة واسعة من البضائع على بسطات عشوائية خارج مجمع المحطة -(الغد)

أحمد أبو خليل

عمان- لعل المفارقة الأولى الأكثر إدهاشا لزائر "مجمع سفريات المحطة" هذه الأيام، تكمن في أنه قد يكون الموقع الوحيد في العاصمة الذي لا يشهد أزمة سير أو كثافة في حركة السيارات والناس أيضا، وذلك في أغلب الأوقات، بما فيها أوقات الذروة! لا طوابير على مَصَفّات السيارات والباصات، لا متسوقين ولا ركاب بالكثافة المعتادة، فما الذي حصل؟
شيء من التاريخ قد يكون مفيدا..
أقيم "مجمع المحطة" في البداية، كمجمع سفريات مؤقت العام 2003 وذلك بعد أن تقرر إغلاق "مجمع رغدان" القديم، الواقع بجوار الساحة الهاشمية وسط العاصمة، وأعلن حينها ان الإغلاق مؤقت أيضا، بهدف إعادة النباء والتحديث، وهو الهدف الذي سينجز بعد ثلاث سنوات.
كان "مجمع رغدان" قد استمر في الخدمة ابتداء من العام 1974 حيث انتقلت عليه أغلب خطوط النقل (الباصات والسرفيس) في العاصمة. وبشكل أساسي كان المجمع نقطة انطلاق وتجمع للقادمين من مناطق شرق عمان والمدن القريبة المتجهين إلى أعمالهم صباحا والعائدين لمنازلهم مساء.
وحول المجمع وفي الطريق منه وإليه تشكل عبر الزمن سوق متكامل، قسم منه عبارة عن سوق رسمي في محلات على جانبي الشوارع القريبة، وعشرات من الأكشاك المرخصة داخل حوض مجمع السيارات، وقسم آخر "غير رسمي" على شكل بسطات أو مظلات أو "فُروش" متفاوتة في الحجم ونوع السلع، ولكنها كانت ترافق الراكب حتى دخوله إلى سيارة النقل. (أرجو هنا أن أستميح القارئ عذرا بالإشارة إلى أنني كنت العام 1997/ 1998 قد أجريت بحثا ميدانيا طويلا نسبيا حول القطاع غير الرسمي باعتباره إحدى استراتيجيات الفقراء الذاتية لمواجهة فقرهم، في الموقع الممتد من مجمع رغدان وحتى آخر سقف السيل، وأحصيت حينها أكثر من 250 وحدة بيع غير رسمية في مجمع رغدان من أصل حوالي 3000 في منطقة البحث ككل).
في العام 2003 قررت أمانة عمان إعادة بناء مجمع رغدان بتمويل ياباني قيمته 8.5 مليون دينار. وقدر الزمن اللازم للبناء بثلاث سنوات، وقد طلبت الأمانة من تجار السوق تحمّل فترة الانقطاع، ورحّلت الأكشاك المرخصة إلى مجمع المحطة، وحاولت منع البسطات من الانتقال إلى المجمع المؤقت.
وبالفعل في العام 2006 أعلن عن اكتمال البناء، وازيلت السواتر المحيطة، وتقرر الاحتفال بافتتاحه في 25 أيار (مايو) من ذلك العام كجزء من احتفالات الاستقلال. ولكن الأمانة أعلنت فجأة أن المبنى الجديد لا يصلح كمجمع مواصلات (مع أنها ظلت خلال سنوات تتحدث عن مجمع بمواصفات عالية وعالمية وحديثة...)، وبالنتيجة توقف الافتتاح، وبدأت سلسلة من الأفكار لاستثمار "الصرح المعماري الحضاري" كما وصف حينها، ولكن أيا من هذه الأفكار لم يتحقق للآن. شكلت تلك الحادثة بداية لظاهرة الاستهتار بالنقل العام، بل قيل رسميا حينها: لا ينبغي ان يكون وسط عمان مجرد موقع لعابري الطريق ومستخدمي وسائل النقل العام!
إثر ذلك أزيحت عن مدخل مجمع المحطة اللوحة التي تقول إنه "مؤقت" وعُلّقت أخرى مكانها تقول إنه "دائم" وبدأ التعامل معه على هذا الأساس.
تبدلات كبرى في السوق
والسلوك التنقلي
لم يقتصر أثر هذه التحولات على السوق والتجارة بشقيها الرسمي وغير الرسمي، بل حصل اختلال كبير في سلوك المواطنين التنقلي من وإلى أعمالهم، خاصة وأن ذلك ترافق مع ارتفاعات متتالية على أجور النقل، فضلا عن اضطرار قسم من الركاب إلى استخدام وسيلتين للتنقل بدل واحدة سابقا، بين الموقعين ذاتيهما.
كالعادة في المناطق الشعبية، يتمتع العاملون في التجارة غير الرسمية بدرجة عالية من المرونة ومقدرة مميزة على تطويع التغيرات والتعامل معها، بحساسية وذكاء خاصين واستثمار أمثل للموارد المتاحة من قوة عمل فردية او أسرية ومن تمويل ذاتي متفاوت، وبالنتيجة صار مجمع المحطة يتحول بالتدريج ولكن بسرعة، إلى سوق شعبي يتسع باضطراد.
في الأثناء خاص العاملون في السوق من أصحاب الأكشاك والبسطات "معارك" عديدة من أجهزة امانة عمان، وجولات كر وفر متواصلة. وكالعادة لم تدرك الأجهزة الرسمية أن القطاع غير الرسمي لا يقاوَم، وأن انتزاع بسطة من صاحبها يشبة انتزاع مزارع من مزرعته. هذا القطاع قد يختفي مؤقتا أو يداري نفسه أو ينتقل من مواقع صعبة إلى أخرى أسهل، ولكنه في ظل فشل السياسات التنموية على المستوى الكلي؟، يتحول إلى قطاع دائم ومتنام. (وهذه بالمناسبة ميزة عالمية لهذا القطاع).
من هم مستخدمو النقل العام؟
وفق إحصاءات رسمية معلنة، يخدم قطاع النقل العام حوالي 9 % من السكان فقط، بينما كان قبل ربع قرن يخدم 50 % من السكان. ولكن هذا الانسحاب حصل بالتدريج، وتفاقم في السنوات الأخيرة بالتزامن مع إلغاء أكبر مجمعي نقل في العاصمة "رغدان" و"العبدلي"، وقد جرى نقل الأخير شرقا إلى ما صار يعرف الآن "مجمع الشمال".
لقد ألغي المجمعان، ولكن الناس لم ينتقلوا إلى الموقعين الجديدين، وفرحت الأجهزة المعنية بنجاح الانتقال، ولكن لم تسأل أين اختفى الركاب؟
الجواب الحقيقي والدقيق على هذا السؤال متوفر عند فئة لا يسألها أحد: السائق ومراقب الخط (السمسار) ومرافق السائق (الكونترول). هؤلاء يعرفون الركاب باعتبارهم "زبائنهم" ومصدر رزقهم، وكوّنوا مع الزمن خبرة لا تتوفر عند خبراء النقل الرسميين من مكاتبهم وبين كتبهم وأوراقهم. لقد نشأ وتضخم قطاع نقل غير رسمي يقدم الخدمة بمرونة، إضافة إلى حسابات التكلفة والمنفعة عند الركاب وأسرهم التي كثيرا ما تنتهي إلى قرار امتلاك سيارة خاصة.. ولكن موضوع النقل عموما هو بحث آخر، ولنعد لموضوعنا الأساسي: مجمع المحطة.
انتعاش "مؤقت" في المجمع "الدائم"
مع الاستقرار في مجمع المحطة، تحول الموقع، وبشكل سريع نسبيا، إلى سوق للمنطقة ككل: سكان المحطة والهاشمي وجزء من جبل الجوفة ووادي الحدادة إضافة إلى الركاب الذين أخذوا يتناقصون بالتدريج.
فإضافة إلى حوالي 70 صاحب كشك مرخص انتقلوا رسميا من رغدان، منحت الأمانة عشرات آخرين موافقتها على بناء أكشاك جديدة، وذلك بعد مواجهة شهيرة حصلت العام 2009، ثم مع "الربيع العربي" فلتت أمور السوق نهائيا.
قبل أيام تمكنت من إحصاء حوالي 900 منشأة بيع في حرم المجمع ومحيطه القريب، وهو سوق متنوع، وفيه درجة ملحوظة من التنظيم الذاتي، من حيث نوع البضاعة وأسعارها. والسوق يعتمد خريطة تتجاوب من منشآت المجمع وساحاته.
هناك ثلاثة صفوف من المحلات، يتكون كل منها بالمعدل من حوالي 40 محلا، وهي مختصة غالبا بخدمة الهاتف المتنقل بشتى تفاصيلها. وهناك موقعان كبيران لبيع الخضار والفاكهة، وسوق آخر مكون من حوالي 80 محلا في خطين متقابلين لبيع الملابس والأحذية وما يعرف بـ"النثريات". وتتوزع في السوق عدة مطاعم متفرقة في هذه الأسواق. وعلى مقربة من هذه المحلات المنتظمة تتواجد بسطات يسمونها عادة "بسطات طيارة" نظرا لحركتها وتنقلها الدائمين.
في هذه الأسواق الفرعية تعلو أصوات اجهزة تسجيل تبث على مدار الساعة، وعلى الأغلب فإن أسعار السلع تتراوح بين ربع دينار ودينار، وذلك بحسب الصوت الذي يصلك بإلحاح عبر جهاز التسجيل.
سوق مستقلة خارج المحطة
لكن القسم المهم الثاني من سوق مجمع المحطة تمثله أكثر من 500 بسطة وفرش أو مظلة عشوائية تنتشر في الشارع الممتد عند الخروج من المجمع، وهذا القسم يشكل سوقا مستقلة توفر شتى أنواع السلع المستعملة من الأصناف المتدنية جدا من حيث الجودة والسعر، ولكنها تشمل طيفا واسعا مفاجئا من السلع: ملابس قديمة بالية وأحذية، وأدوات وقطع من أدوات وأجهزة كهربائية لا تعمل، وألعاب أطفال مهترئة، بل إن الزائر يعثر على بعض قطع الأثاث شبه التالفة وقطع من أطقم حمامات، وأشياء جمعها "سريحة الحاويات" الذين نظفوها ورتبوها وأعادوا تصنيفها وعرضها للزبائن.
السوق "داقر" هنا أيضا
رغم هذه الكثافة في العرض، فالسوق منذ أكثر من عام يعاني من هدوء غريب بالنسبة للبائعين، وهذا مؤشر ينبغي أن يلفت انتباه "الجهات المعنية بالالتفات"!
إن هذا السوق هو بالتأكيد، سوق يخص فقراء الزبائن وفقراء الباعة أيضاً، إذ باستثناء بعض حالات "المتنفذين الصغار" الذين يملكون أكثر من محل يضمنونها لآخرين، فإن أغلب الباعة هم من أصحاب البسطات أصلاً، وبعضهم من العاملين في جمع الخردة. توضح السيرة الذاتية لكثيرين منهم انهم ينتمون ثقافيا واجتماعيا على الأقل إلى الفقراء أو "مجتمع الفقر"، بينما تمكن بعضهم من خلال القطاع غير الرسمي (البسطة مثلاً) من الخروج من دائرة الفقر مالياً وفق المعايير الوطنية المعتمدة.
في الأزمات الاعتيادية، كان سوق البسطات يشهد اندفاع زبائن جدد قادمين من الأسواق الأخرى، ولكن أن يهرب الزبائن المعتادون من سوق الفقراء، فهذا مؤشر يحمل جديدا يستدعي النظر.

التعليق