فريهان سطعان الحسن

هن حكاية وطن

تم نشره في الاثنين 28 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

تحمل سلة كبيرة مليئة بما لذ وطاب من الزعتر البلدي ومرطبانات المربى والمخللات والزيتون، قادمة من محافظة جرش إلى العاصمة منذ الصباح الباكر، لتعرض منتجاتها على طاولة مخصصة لها، سعيا وراء رزق يسد بعضا من حاجة عائلتها.
بضحكتها وعفويتها، تستقبل الزبائن، لتبدأ بالشرح لهم عن كل ما تجود به يداها، وبما تشتهر به محافظتها.
عملها يبدأ منذ الحادية عشرة صباحا، ولا ينتهي قبل الحادية عشرة مساء، لتجني ما يقارب 30 أو 40 دينارا، تزيد أو تقل، بحسب عدد ممن يزورون المكان. وفي نهاية عملها اليوم، تشكر الله على نعمه، وتتوجه عائدة إلى بيتها، بانتظار مكان آخر تبيع به حاجياتها.
السيدة التي يتجاوز عمرها الستين عاما، تتحدث بفخر عن تلك الأشياء البسيطة، والتي ساهمت عبر بيعها بتعليم أبنائها الثلاثة، وسد كثير من احتياجات بيتها، خصوصا أنها المعيل الوحيد لأسرتها.
في الجانب الآخر من طاولة السيدة الستينية، تفترش سيدة أخرى الأرض، حيث تصنع “الزلابيا” طيبة المذاق، تعجنها بيديها اللتين بدا عليهما تعب الزمن. إلى جانبها مقلاة صغيرة، تضع بها العجينة الجاهزة لتحمرها، وتصفها بجانب الأقراص التي أصبحت جاهزة للأكل.
يجاهدها العرق الذي يستقر بين ثنايا تجاعيدها، وتزيد من تعبها حرارة الجو العالية التي تنضاف إلى حرارة الفرن الصغير الذي يكاد يلتصق بها، ويلازمها طوال الوقت. من طيبها وكرمها تقوم بتقديم قطع صغيرة من الزلابيا مجانا للمارة، لا تطلب منهم شراء تلك الأقراص، فمن يعجبه الطعم سيعود لشراء قرص تبيعه بدينار.
تعمل بصمت ولا تفارقها ابتسامة تخفي وراءها تعبا كثيرا، كيف لا وهي المعيلة الوحيدة لأسرتها، فزوجها صاحب إعاقة تمنعه عن العمل، وتأمين مستلزمات البيت ومصاريف الأبناء يحتاج دخلا ثابتا أو شبه ثابت، وهي من خلال عملها من البيت وفي البازارات، استطاعت أن تؤمن ولو الحد الأدنى من المصاريف.
في زاوية أخرى، تجلس واحدة تطهو خبز الطابون المغطى بالزعتر والكشك داخل فرن بلدي أصيل جلبته معها من عجلون، ليتذوق الموجودون خبزا يحكي قصة مذاقه الذي لم يتغير على مدى عقود طويلة. تعجن وتخبز وتقطع، وتبيع للزبائن الذين يبدون إعجابهم بما تصنعه.
أما المرأة القادمة من السلط، فتبيع الزعتر والسماق وأطباقا تراثية تشتهر بها محافظة البلقاء، وتقف إلى جانبها ابنتها تساعدها في التغليف والبيع. وتشعر السيدة بالفخر والإنجاز حين تتحدث عن أبنائها، وأنها استطاعت تعليمهم؛ فواحدة تخرجت طبيبة وحصلت على منحة لإكمال دراستها في أميركا لتفوقها، وأخرى مهندسة، والباقون ما يزالون على مقاعد الدراسة، وجميعهم متميزون، كل ذلك نتيجة عملها وحدها، كما تؤكد.
سيدة أخرى تبيع عصير الرمان الطبيعي جاءت من مكان بعيد، قررت أن تخفض الأسعار كثيرا قبل إقفال السوق، علّها تبيع كل الكمية، وتعود لبيتها وأولادها بقليل من الدنانير.
هؤلاء نماذج من نسوة يتجمعن كل يوم سبت بسوق نعمة بعمان، والذي يقام في حديقة المتحف الوطني (حديقة المنتزه) في جبل اللويبدة، ويدعم الجمعيات الخيرية والمشاريع النسوية من جميع المحافظات، شمالا وجنوبا.
سيدات يأتين من جميع محافظات وقرى وبوادي الأردن لكي يعرضن للبيع منتجاتهن اليدوية من طعام وشراب وملبوسات ومواد تجميلية، وقطع خزفية، ومأكولات وغيرها.
لم أكن أعلم وأنا ذاهبة إلى هناك أنني سأجد من يختصرن تضاريس الوطن بملامحهن ولهجتهن وطيبتهن، يستحضرن الماضي بجمالياته، ويضفين على المكان كما هائلا من الطمأنينة بمجرد النظر إليهن.
يأسرن الحضور ببساطتهن وإصرارهن وجلدهن، وحكاياتهن التي يستحضرن فيها إنكارا للذات من أجل أسرهن. اذهبوا إلى هناك. قفوا إلى جانب هؤلاء النسوة المكافحات، فمنهن من يأتين ويغادرن بصمت دون أن يكسبن دينارا واحدا.
عدت من هناك، وفي قلبي حب كبير.. وأمل بغد أفضل.. ونماذج أستطيع أن أعممها وأن أقتدي بها.. لمثل هؤلاء السيدات نقف احتراما وتقديرا وحبا، فهنّ من ينسجن حكايات الوطن.

التعليق