تهديدك مرتد عليك

تم نشره في الاثنين 28 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً
  • قوات من الشرطة العسكرية الروسية تتموضع في مدينة حمص في شهر آذار (مارس) الماضي-(ا ف ب)

معاريف

 ألون بن دافيد

في أواخر الصيف يظهر مرة أخرى، كبيرا، أسود ومهددا، أخفى للحظة الشمس وألقى علينا بظل ثقيل. مثل التنين في"العاب الكرسي" جاء بالضبط في وقته، يبث النار، ولكنه أيضا معانقا ومواسيا. وفجأة عادت الحُمرة إلى خدي رئيس الوزراء، وفجأة كل شيء بدا مرة اخرى حادا، واضحا ووجوديا. التهديد الايراني عاد الينا.
واضح لنا جميعا الان معنى المحادثات المتوالية التي يجريها رئيس الوزراء مع محرر "إسرائيل اليوم" واضحة ايضا الحاجة العملياتية لفرض الحصانة علينا. ونحن كلنا الان نفهم لماذا بات عمل عقيلة رئيس الوزراء في الظل يحتاج إلى السرية. فبنيامين نتنياهو يهدد العالم بحرب، ويمكننا نحن فقط ان نأمل ونحن يمكننا أن نأمل فقط في أن يعرف كيف يديرها مثل تشرتشل، مع مخزون كاف من السيجار حتى النصر.
ليس في هذه الاقوال أي توصية للاستخفاف بايران وبتطلعاتها. أنا آخر من يستخف بها وهي تصبح قوة عظمى اقليمية، مع فروع في كل أرجاء الشرق الاوسط، بل وتتطلع لان تكون أكثر من هذا. ولكن البهجة التي انقض فيها نتنياهو على عودة "التهديد الايراني" مقلقة. مشكوك أن يكون تهديد مسرحي بالحرب يقض مضاجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. والتوسع الايراني يجب معالجته بتصميم بوسائل الدبلوماسية الهادئة وبالعمليات السرية – وليس بالبوستات على "فيسبوك"بوك أو بالمقابلات للقناة 20.
يحذر نتنياهو بلا انقطاع من الخطر الإيراني في الجولان. ولكن لا تسارعوا إلى البحث عن ايرانيين على الجدران، فهم ليسوا هناك بعد. وفي الاشهر الاخيرة لم يكن هناك اي تغيير في انتشار قوات إيرانية أو ميليشيات شيعية في الجولان. ووقف اطلاق النار الذي أعلن عنه الروس نجح فوق المتوقع: ففي كل المناطق التي اعلن فيها عن وقف النار توقف القتال تقريبا، ونشهد في كل سورية انخفاض دراماتيكي في حجم العنف. في إطار اتفاق وقف النار، الذي لم يراع المصلحة الإسرائيلية، انتشرت عدة وحدات من الجيش الروسي التي تقيم "شرطة عسكرية" في مناطق الجولان وحوران. والقوات الشيعية لم تتقدم منذئذ. والقوة الايرانية الاقرب اليهم بقيت في جبع في شمال هضبة الجولان، مسافة نحو 15 كيلو متر عن الحدود. وفي القنيطرة الجديدة هناك تواجد لمستشارين ايرانيين ورجال استخبارات من حزب الله، ولكن هم ايضا لم يتقدموا.
اذا رأينا استئنافا للقتال قريبا من منطقتنا، فهذا سيكون في جنوب هضبة الجولان، حيث يتواجد التنظيم المتماثل مع داعش - جيش الوليد (شهداء اليرموك سابقا). فمع انهيار الدولة الاسلامية، يوشك رجال التنظيم عن الاعلان عن أنفسهم كلواء جديد لها، مثل رفاقه في سيناء. وسيرغب الاسد والروس في تفكيك القوة الهامة الاخيرة التي تهدد الطريق بين درعا والقنيطرة.
أحد الاقانيم المشوقة لدى الجيش الإسرائيلي في مراقبة القوات المقاتلة في سوريا هو أن كل قوات المحور ببساطة لا تعرف كيف تقاتل: لا الايرانيين، لا حزب الله، لا الميلشيات الشيعية ولا الروس. كلهم يقاتلون كالميليشيات المتخلفة، استنادا إلى استخدام النار المكثفة وغير الناجعة ولا يؤدون مهامهم كالجيش الحديث. هذا مشجع.
حتى قبل الاعلان عن وقف النار كان من الصعب اقناع الروس بان ايران هي تهديد. في نظرهم ايران هي مصدر استقرار وشريك هام لاعادة تثبيت حكم الاسد. في الزيارة إلى موسكو هذا الشهر لاحظت رد فعل موحدا من كل من حاولت طرح موضوع ايران امامه: بعيون شكاكة يقولون: ايران؟؟، يجيبك الروس، "تعال نتحدث عن الهند النووية! هي التهديد على السلام النووي". بعد نجاح وقف النار بات هذا اصعب بأضعاف، سواء من الروس أم مع الأميركيين. فالوفد الكبير الذي سافر الاسبوع الماضي إلى واشنطن، برئاسة يوسي كوهين، رئيس الموساد، استقبل بالكثير من العطف. ومن البيت الابيض واصلوا نحو وليمة عشاء حميمة في بيت مستشار الامن القومي ماكماستر.
ولكن باستثناء الضيافة الحارة والصورة التذكارية على طريقة "الصحبة الجميلة"، وجدوا صعوبة في تحريك الأميركيين للعمل. فالادارة الأميركية تفهم جيدا قلق إسرائيل من ايران، ولكن ليس لديها وقت شاغر لسوريا ولايران. فهي منشغلة بالدفاع عن الرئيس، فيما أن قسما كبيرا من الولايات المتحدة غير مستعد لان يسلم بانتخابه الديمقراطي وبالازمة في كوريا الشمالية.
بعد ادارة الكتف مليئة العطف، ولكن الباردة من الأميركيين سارع نتنياهو إلى سوتشي. ليس تافها ان يستقبل رئيس وزراء إسرائيل لدى الرئيس الروسي كلما اراد، حتى لو كان هذا في منتصف اجازة بوتين. فهذا واحد من الذخائر الاستراتيجية التي اجاد نتنياهو في بنائها. بوتين يحترمه ومن المهم له أن قواته والقوات الشيعية التي تحت إمرته لا تصل إلى احتكاك زائد مع إسرائيل. وعليه فيحتمل ان يكون شيء ما من الرسالة التي جاء بها نتنياهو قد وصل. خسارة انه خرب هذا بتهديدات تبجحية بالحرب. فبوتين يرد بشكل اقل جودة على التهديدات. ناهيك عن ان المهدد سبق أن هدد في الماضي بمهاجمة المنشآت النووية الايرانية ولكنه في لحظة الحقيقة تراجع.
ما يشغل بالنا أساسا هي المؤشرات على أن ايران تخطط للبقاء لزمن طويل في سوريا: بناء مطار، ميناء ومصانع سلاح. هذا لن نتمكن من احتلاله لان المعنى سيكون ان كل مواجهة في لبنان ستنتشر على الفور إلى سوريا ايضا. ولن اتفاجأ اذا ما اصطدمت المساعي الايرانية بتخريبات خفية. ولكن ما يشغل بالي بقدر لا يقل عن ذلك في الايام الاخيرة هي التقارير عن اتفاق بين إيران وتركيا على سحق الاكراد في شمال سوريا. اذا كان ثمة بالفعل اتفاق كهذا، فان إسرائيل والعالم الغربي سيفقدان القوة سوية العقل الوحيدة التي تقاتل في سوريا.
ايران دولة اقامت جهازا من الاف الاشخاص ممن ينهضون كل صباح ويخططون كل يمسون بإسرائيل. كما انها دولة تفوق إسرائيل في كثير من مقاييس التعليم. دولة من 80 مليون نسمة هي الخامسة في الترتيب العالمي لعدد خريجي الجامعات في العلوم، بعد الولايات المتحدة وروسيا.
اذا كان نتنياهو يعتقد بانها تهديد وجودي، فانه يحتاج لاكثر من مجرد رفع فيديو إلى "فيسبوك"بوك. عليه ان يعزز التعليم العالي في إسرائيل، عليه أن يدخل شرائح اخرى إلى دائرة العمل، وعليه أن ينقذ تحريض الإسرائيليين كل ضد الاخر. من يريد أن يوقف دولة تتطور والتي جعلت المشروع النووي مشروعا قوميا فانه ملزم بربط كل مقدرات المجتمع الإسرائيلي بالتصدي لها.

التعليق