السفير التركي: علاقتنا مع الأردن تفوق أي مصلحة اقتصادية

تم نشره في الأربعاء 30 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 30 آب / أغسطس 2017. 12:26 صباحاً
  • السفير التركي في عمان مرات كراجوز يتحدث لـ"الغد" بمقر السفارة امس -(تصوير: ساهر قداره)
  • السفير التركي في عمان مرات كراجوز يتحدث للزميل عبد الرحمن بازيان -(تصوير: ساهر قداره)

عبد الرحمن بازيان

عمان- استقبلني في مبنى السفارة التركية، بلطف وهدوء، لم يبد الكثير من المظاهر الدبلوماسية، حين بدأنا عبارات الترحيب في غرفة، تحتفي ببعض رموز بلاده. كان السفير التركي مرات كراجوز عفويا يتحدث بصراحة لافتة.
بدأ حديثنا عن تاريخ تركيا، وما يجري بالمنطقة من أحداث والآفاق المستقبلية.
اليوم، تحتفل تركيا بيوم النصر التركي الخامس والتسعين، وهي احتفالية سنوية، تستعيد فيها منذ 30 آب (اغسطس) 1922، انتصارها بمعركة الاستقلال بعدها بعام ونيف، أعلن مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية، وأصبح رئيسا للدولة.
يجمعنا وتركيا، نحن الأردنيين وباقي شعوب المنطقة العربية، تاريخ مشترك، يعود للحقبة العثمانية وتداعياتها، والثورة العربية الكبرى التي نادت باستقلال العرب عن العثمانيين العام 1916. فكيف نبني علاقات جادة فوق تاريخ مشترك، فيه ما فيه، بعد أن مرت أيضا ذكرى الثورة المائة العام الماضي؟
بهدوء، تحدث كراجوز، قال إن "تركيا لا تنظر بعين الماضي لأصدقائها وحلفائها ولا لأي دولة في المنطقة؛ هذا يشمل الأردن. فالأتراك يستخلصون دروسا من ماضيهم لاجل مستقبل مشرق، وترى أن الصداقة والسلام اساسيان للاستقرار والنمو".
"يتمتع الأردن بعلاقات مميزة مع تركيا"، يقول، فـ"تركيا، برغم الثورة العربية، كانت واحدة من أولى الدول التي سارعت للاعتراف بالأردن عند إعلان استقلاله العام 1946، ومنذها، نرتبط بوثيقة سلام وقعناها معا، ولم تخترق أو تنقص حتى اليوم".
ويضيف "أيضا، تركيا لا تنظر لأصدقائها بعين المنافس أو القياس، لا من حيث الحجم ولا من حيث السكان أو الاقتصاد، ولا بأي معيار آخر، فعلى العكس، نبني مقارباتنا مع دول الجوار وفق منظور مشترك وتفاهمات وتطلعات مرجوة".
ويذهب كراجوز للتفاصيل: "إذا نظرنا للأردن، فهناك نوع من عدم التوازن العلاقاتي بيننا. وإذا افترضنا أن تركيا تقيم تحالفاتها على أسس التنافس، فاقتصاديا هناك فرق. لكن هذا ليس معيارنا بالصداقة مع الأردن. هناك نواح أهم بكثير من ذلك بالنسبة لنا، تصب كلها بمصلحة الاقليم والمنطقة".
ويؤكد "علاقتنا مع الأردن، مصلحة وقيمة، تفوق أي مصلحة اقتصادية بحتة"، فاقتصاديا يرى أن تركيا تطمح لرفع مستوى التبادل التجاري والنشاط الاقتصادي والسياحي مع الأردن، ويتوقع زيارة وزير الصناعة والتجارة والتموين يعرب القضاة لتركيا ومقابلة نظيره التركي لبحث آفاق التنمية الاقتصادية المشتركة، إلى جانب توقع انعقاد مجلس الأعمال التركي-الأردني قريبا، لبحث فرص رفع قيمة الاستثمار التركي في الأردن.
عليه، يتأمل كراجوز ارتفاع قيمة الصادرات الأردنية لتركيا، والتي برغم الوضع السوري المتأزم، لم تنخفض كما كان متوقعا. وقد اقتصر على تراجع صادرات الأردن لتركيا من نحو مليار دينار أردني إلى 800 مليون.
"هناك الكثير، بوسع تركيا أن تقدمه للأردن"، يقول السفير، بدءا من "تطوير قطاع النقل، وليس انتهاء بدعم الاستثمار والاقتصاد، إذ نتطلع قدما للمساعدة باستغلال طاقات الأردن الكامنة وتوسيع آفاقه الاقتصادية".
تدرك تركيا صعوبة الوضع الأردني، ومعاناة اقتصاده واللجوء السوري، كما تركيا، لكن الى حد أقل خطورة، ما يشكل ضغطا على الخدمات المقدمة والتنمية المحلية.
على المستوى الشخصي، يشير كراجوز إلى أنه "يقوم بدور سفير الأردن في مختلف المحافل، سواء في تركيا أو غيرها، فيما يخص موضوع السياحة"، موضحا "أنا بنفسي أشجع الأتراك على زيارة الأردن، لا كمحطة في طريقهم للقدس أو السعودية، بل كوجهة سياحية مستقلة. فالأردن جوهرة، وهذه ليست مجاملة".
كانت زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الاخيرة للأردن، الأولى منذ وصوله سدة الحكم في تركيا قبل تسعة أعوام، ما جعلها تبدو وكأنها التفافة حادة في موقف تركيا من الأردن.
يقول كراجوز "أبدا! لا التفاتة ولا غيرها، وانما جاءت بناء على وتيرة علاقات متصاعدة، نفتتح بها عقدا جديدا من العلاقات الممتدة منذ أكثر من 70 عاما".
زيارة أردوغان "لم تكن بلا سبب وبلا مقدمات. فقد سبقها رئيس الوزراء هاني الملقي بزيارة لتركيا، وقبلها أيضا زيارة لجلالة الملك عبدالله الثاني منذ حوالي أربعة أعوام، تخلل الزيارتين، أيضا زيارات متبادلة لمسؤولي الدولتين. قد يبدو الأمر مفاجئا للكثيرين، لكني عندما تقدمت بأوراق اعتمادي للبلاط الهاشمي، أوعز لي جلالة الملك خلال محادثة موجزة، بضرورة رفع وتيرة العمل الدبلوماسي والسياسي على المستويات الأعلى بين الدولتين، وهذا ما حدث".
اقليميا يقول كراجوز "لا أذهب بسرعة للقول ان هناك استقطابا عنيفا بين لاعبي المنطقة الرئيسيين، بل ما نزال على مسافة تسمح للحوار في قضايا المنطقة. كما لا يمكن توقع أي تحالفات أو اصطفافات اقليمية على المدى البعيد في هذه الظروف الاقليمية المتقدة والمتغيرة، حتى فيما يخص إعلان اردوغان البارحة عن محادثات تركية- إيرانية لردع تحقيق المراد الكردي".
الاتراك واضحون في موقفهم من القضية الكردية، وليس فقط كراجوز، الذي وصف وحدات الحماية الشعبية الكردية في سورية بـ"الإرهابيين".
برغم القنوات المفتوحة والعلاقة المتينة بين تركيا وأميركا، يقول السفير، ان "الدولتين لا تتفقان على تسليح الكرد وقضيتهم".
"لا يصح ان نسلح مجموعة إرهابية لتحارب وتدحر مجموعة إرهابية أخرى، وهي تنظيم داعش الإرهابي.. عدونا المشترك، كلنا؛ والكرد لا يمكنهم الاستمرار في المنطقة، حتى لو شكلوا دولتهم وحدهم، بمعزل عن جوارهم"، يقول كراجوز.
هنا؛ بينما يتضح الخلاف بوجهات النظر بين تركيا وحلفاء آخرين غير الأردنيين، يبدو الموقف التركي- الأردني موحدا ايضا بخصوص فلسطين والقدس المحتلة، التي تشكل عماد الأزمة في المنطقة، وفق كراجوز.
العلاقات التركية- الإسرائيلية، بردت على نحو كبير بعد الاعتداء السافر على سفينة مرمرة التركية في العام 2010 واستشهاد عدة أتراك على متنها، جراء هجوم اسرائيلي عليها، لكنها وبعد "استجابة" إسرائيل للمطالب التركية بالاعتذار مرورا بالتعويض، وليس انتهاء بانهاء الحصار على غزة، سرعان ما بدأت العلاقات تنمو ثانية، ما يخدم المنظور التركي في فلسطين، والذي تتفق معه الأردن.
الحقيقة أن الاتفاق الأردني- التركي بخصوص حل الدولتين والتصدي للتعديات الاسرائيلية على الوضع القائم بالقدس والحرم الشريف، يضيف لزخم الموقف الأردني ويدعم الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى والمقدسات في القدس، كون تركيا تترأس منظمة التعاون الإسلامي.
لكن؛ هل يعني ذلك أن العلاقات بين تركيا واسرائيل، عادت لمجراها الطبيعي؟ "لا"، وفق السفير؛ فـ"هناك كم من القضايا التي نريد معالجتها قبل ذلك؛ من ضمنها مسألة التجاوزات الاسرائيلية".
في المقابل؛ العلاقات الأردنية- التركية- الفلسطينية آخذة بالنمو، وفق كراجوز، بخاصة بشأن المنطقة الصناعية في أراضي السلطة الفلسطينية، وتشمل الأردن، وستوظف حوالي خمسة آلاف فلسطيني، ناقشها الفلسطينيون في زيارة رئيس دولة فلسطين محمود عباس إلى تركيا الاثنين الماضي.

التعليق