نادر رنتيسي

الثامنة إلاّ ربع

تم نشره في الأربعاء 6 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً

أشعر بالضوء الأصفر، وأرى زوجتي تبحثُ عن حقيبتها الصفراء، وأسمع شكواها من طول يد البنت الصغرى، وأشمُّ رائحة الإفطار والشاي والنعناع، لكنّي عاجزٌ تماماً عن الحركة، وفاقد القدرة على النطق. مستلق على ظهري، جبيني معروق، وعيناي مفتوحتان، وعنقي تميل نحو اليمين، ويداي الخشبيّتان تكافحان لإثبات أنّي ما زلتُ حياً. من دون أن تلتفت إليّ، كانت زوجتي تذكّرني بضرورة النهوض لتجنّب أزمة السير في الثامنة إلاّ ربع، ثمّ واصلتْ تذمّرها من كلّ شيء وهي تخرجُ، حاولتُ إيقافها بكفّي الثقيلة، الباردة، وحين عادت إلى الغرفة ذهبتْ إلى مرآة التسريحة، وتابعت توجيه النصائح اللاذعة، أردتُ الصراخ، لكنّ لساني كان محتبساً. كنتُ أخشى إنْ اقتربتْ أنْ تخدعها علامات الموت، ولا تستطيع عيناي إثبات أنّي قد صحوت، ولا أريد العودة إلى النوم!
عيناها في مواجهة عينيّ.. "إذن أنتَ مستيقظ؟، وتسمعني؟، ولم تقل كلمة واحدة تلعن معي هذا الجحيم". لم يتحرّك فيّ شيء، الحدقتان أيضاً كانتا ثابتتين كأنهما أمام شاشة تذيعُ نبأ حرب خاطفة. شعرتُ بكفّ زوجتي تتأرجحُ أمام عينيّ لاختبار أنّي لم أفقد البصر، لكنّ شعرة واحدة لم تهتزّ لتؤجّل شعائر الموت، فسمعتُ بسملتَها المرتعشة، ورأيتُها تتحول إلى أرملة من دون أيّ فاصل، كأنّها تدرّبت على هذا الأمر، أو أنّ كل النساء لديهن ردّ فعل واحد أمام الموت: صراخ يُحيي النائمين في كهف.. لا أنكر أنّ هذا المشهد كان سبباً لزواجي، فأبي حين كان يحثني على الرباط المقدّس، قال إن من فضائله أن تكون لي زوجة تعلن نبأ موتي، وألاّ تظل جثتي لأسبوع على السرير كحيوان سائب. الوصف كان قاسياً، تخيّلته بوضوح، وقرّرت بعد ذلك الزواج، أو فعلتُ لآخرتي كأنّي أموت غداً!
جاء النائمون، ابنتاي أضافتا إيقاعاً لعويل أمهما المنفرد، ودخلت كذلك امرأة احتضنت زوجتي مظهرة أسبقية في الترمّل، واقترب جار ذو لحية طارئة من "جثتي"، استسلمتُ له أو لم يكن لديّ أي قدرة على المقاومة، وادعاء أني حيٌّ، فأغمض عينيّ، وأطبق فمي، وشدّ فكي حتى شعرتُ أني قد ابتلعتُ أسناني، كان ماهراً ويحفظ الطقوس الأولى في حضرة الموت، فمدّ رجليّ، ومدّ يديّ إلى جنبيّ، ولما تأكّد من أنّ هيئتي لا حياة فيها، غطى وجهي باللحاف، وبدأ العالم الآخر.. لم يعد يربطني بالعالم الأول سوى حاسة السمع: هذه زوجتي تجلس على كرسيّ الفرو، وأظن أنّ ابنتيّ تضعان رأسيهما على ركبتيها، وقد هدأ العويل، وخفت إلى نهنهات، لم يجرؤن على الاقتراب، ورفع الغطاء لوداعي، ولم أحزن.. فأنا أيضاً حين كنتُ حياً، كان يخيفني الموت.
وأنا أيضاً لستُ مصدقاً أنّي ميّتٌ، الأمر ليس سوى كابوس، وبعد قليل ستأتي زوجتي لإيقاظي، ثمّ أتأكّد أنّ كل المجريات السابقة كانت تفاصيل خبيثة تبدو واقعية رغم أنها هذيان لرجلٍ مريض يخشى الموت، وإلا كيف تبحث زوجتي عن حقيبتها، وبالأصل لم أشتر لها منذ خمسة وعشرين عاماً حقيبة صفراء.. إذن الأمر اتضح، وعليّ أن أنتظر مجيء زوجتي لتوقظني قبل أزمة السير في الثامنة إلا ربع.. انتظرتُ طويلاً، وغفوت قليلاً، ورأيتُ رجالاً كثيرين دخلوا إلى الغرفة، وحدثت جلبة، وسمعتُ تكبيرات خفيفة، استسلمتُ مرة ثانية أثناء التغسيل، وارتديتُ الثوب الأبيض، وجالوا التراب، وسمعتُ كل شيء، قبل مجيء زوجتي التي أيقظتني برفق، لكنّي فضّلتُ العودة إلى النوم، فقد أحلمُ بالموت مرة ثانية، فلا أرتبك ولا أخاف، ولا أتظاهر أني حي!

التعليق