أحزن ضعفين وأبكي مرتين

تم نشره في الخميس 7 أيلول / سبتمبر 2017. 11:08 مـساءً

في مقال سابق بينت كيف ينشأ التعصب ويتطور ويصبح آيدولوجية راسخة تتجلى بالتمييز، القائم على الاستئثار، والاستثناء والإقصاء. وبكلام آخر أقول إنه لا يوجد تعصب بدون تمييز، ولا تمييز بدون تعصب، لكن التعصب يتكون أولاً ثم يترجم بالتمييز.
اعلم أنه حيثما يوجد تعصب يوجد تمييز، وحيثما يوجد تمييز يوجد تعصب، وهما منتشران في بلاد المسلمين: العربية وغير العربية، وعلى مستوى الفرد والمجتمع والدولة فيها، ضد المرأة وضد الآخر. إنسَ الدساتير والقوانين واتفاقيات حقوق الإنسان المصدق عليها، أي لا تنظر إلى الدموع بل انظر إلى ما تصنع الأيدي.
ولما كان الأمر كذلك مع المتعصب فلا ينفع معه إحسان أو معروف، ومن ذلك ان أوروبا وأميركا فتحت أبوابها للمهاجرين واللاجئين المسلمين الفارين من الاضطهاد في بلادهم أو من أهوال الموت، وأمنتهم من خوف ومن جوع وأمية وبطالة، وساوت بينهم وبين مواطنيها، ومع هذا يخرج من بينهم من يفجر نفسه بأطفالهم وشبابهم ونسائهم ورجالهم ومسنيهم، أو ليطعنهم بسكين أو يدوسهم بشاحنة وهم في احتفال، أو في جريدة، أو في ملهى، أو في شارع، لأن التعصب عالق في أعمق أعاميق الإرهابيين فلا ينطفئ أو يلغيه وعظ، أو إحسان، أو معروف، أو احترام، وكأنه كان على الأوروبيين والأميركيين تعلم مقولة "اتق شر من أحسنت إليه" العربية ليتجنبوا الإرهاب.
وإذا لم تدرك ما أنا ذاهب إليه، فكر بالعكس، أي بسؤال نفسك كعربي/مسلم: ماذا لو كانت الحروب الأهلية والمذهبية مشتعلة في أوروبا أو في أميركا وفر مئات الآلاف من الناس هناك هاربين بأرواحهم إلى بلاد المسلمين: العربية وغير العربية؟ هل تفتح لهم أبوابها وتلاقيهم بالأحضان وتؤمنهم من خوف، وتطعمهم من جوع، وتوفر لهم الإسكان والتعليم والعمل؟
ثم ماذا لو قام أنفار منهم بالتفجير في المساجد والقاعات والمناسبات والصحف والشوارع وقتلوا الأطفال والشباب والشابات والمسنين؟ هل تترك واحداً منهم فيها؟ ماذا لو استمروا بزيهم ولباسهم؟ هل تسمح لهم بذلك؟ اسألوا ضمائركم.
نحن - عرباً / مسلمين - لم نغادر عقلية العصور الوسطى الأوروبية بعد، حيث كانت الحروب الأهلية والمذهبية الدامية جارية على قدم وساق.
لقد حلّت المسيحية في الغرب مشاكلها أو أزمتها بالعقلانية، والعلمانية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، فقلما تجد أحداً في الغرب يسألك عن دينك أو مذهبك، أو أصلك، أو فصلك.. لقد توارت مصادر التعصب هذه إلى الخلف.
فهل ما يجري الآن في بلاد المسلمين: العربية وغير العربية، من تكفير وحروب وأنهار دماء سيطهرهم من تلك العقلية المستمرة بتعبئتهم بالتكفير، وتحليل دم المخالف أو المختلف ؟
إننا كمسلمين: عرباً وغير عرب، عالقون في وقعة صعبة أو سخنة ليس من السهل الخروج منها ما لم نتعرف بالسبب الحقيقي لها، وما لم نقم جدياً بتفكيكه في المدرسة والجامعة والجامع والإعلام حتى الآن خوفاً من الإرهابيين أو نفاقاً لهم وللعامة.
أقول أقوالي هذه صادقاً مع نفسي كعربي وكمسلم، ومع المجتمعات المؤيدة للإرهابيين، لكن من الحرص على واقع أفضل ومستقبل أجمل، وأتلقى عليه السباب والشتائم والتكفير والتحريض والتهديد اليومي من هؤلاء الداعشيين الظاهرين والمقنعين المعشعشين في كل قطاع وعلى كل مستوى، لأنها تتحدى ما رسخ في عقولهم من ثوابت إرهابية لم تخضع يوماً للمساءلة والمحاكمة.
لذلك أحزن ضعفين وأبكي مرتين: مرة كعربي وأخرى كمسلم، للدماء التي تسيل من الضحايا والقتلة كل يوم تحت العنوانين: العرب والمسلمون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »علاقة جوهرية بين مرتكبي جرائم إرهاب وبين سيطرة سلبيات ثقافة حضارة غربية (تيسير خرما)

    الجمعة 8 أيلول / سبتمبر 2017.
    علاقة جوهرية بين مرتكبي جرائم إرهاب وبين سيطرة سلبيات ثقافة حضارة غربية تساهلت وهدرت قيم إنسانية أساسية أقامتها أديان سماوية فتنافست مع تربية العائلة والمدرسة للأجيال بطرح شلال أفلام أكشن مرعبة وألعاب إلكترونية متوحشة بالتوازي مع وفرة أسلحة فردية فتاكة ومتفجرات متطورة ومع انتشار شبكة إنترنت خارجة عن سيطرة يتم عبرها غسل أدمغة وتجنيد وتدريب بينما تقوم أي جهة سرية بتوفير موارد وإدارة وتخطيط عمليات وأي جهة أخرى تشاهد فتتبنى، فيجب زيادة مدخلات الدين وآيات المنطق بمناهج المدارس وبالإعلام وتوسيع مساجد
  • »شكرا (عبدالله محمد)

    الجمعة 8 أيلول / سبتمبر 2017.
    اكتب فقط لاشكر الاستاذ حسني على هذا المقال الرائع .
    هناك مثل اجنبي يترجم للعربيه كالتالي ( ضع نفسك في حذاء الطرف الاخر ) قبل ان تستعجل الحكم على اي امر .
    الشرق والعرب والمسلمون بالحقيقه بحاجه الى نظره نقديه عميفه لانفسهم ان اردنا ان نرى اي ضوء في نهاية النفق .