‘‘التنمر‘‘ بالمدارس.. بيئة عدوانية خطيرة تضر بالطفل جسديا ونفسيا

تم نشره في الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • يسبب التنمر أذى كبيرا يرافق الطفل حتى الكبر - (ارشيفية)

منى أبو صبح

عمان- “قلق.. انطوائية.. التذرع بالمرض للغياب عن المدرسة..” جميعها علامات غريبة ظهرت على الطالب مؤيد في الصف الرابع الابتدائي واستطاعت والدته رصدها، ومحاولة فهم أسباب حدوثها، خصوصا وأن طفلها محب ومتلهف للمدرسة في الصفوف السابقة.
تقول والدة مؤيد: “شعرت بهذه التغييرات على ولدي الصغير، وأخبرت والده ونصحني بمراجعة المدرسة، التي أخبرتني بأن تحصيله الدراسي متدن أيضا، كما أنه لا يلتفت للمعلمة أثناء الشرح ولا يكلف نفسه المشاركة بالإجابة أثناء الحصص”.
جلست الأم مع طفلها وحاولت التقرب منه ليشعر بالاطمئنان ويفصح عما يدور برأسه، ومع هذا لم يخبرها في المرة الأولى، لكنها لم تيأس حتى اعترف لها بأن هناك طالبا في المدرسة يزعجه ويأخذ مصروفه المدرسي، ويهينه أمام الطلبة الآخرين.
أم الطفل مؤيد ليست الوحيدة التي يتعرض طفلها لـ”التنمر”، وقد التفتت للأمر وسعت لحله. لكن هناك العديد من الطلبة الذين يقعون ضحية “التنمر” في المدرسة، مما يسبب له كره المدرسة إلى جانب العديد من الأعراض النفسية التي تؤثر على حياتهم وفي تكوين شخصيتهم.
وأطلق المجلس الوطني لشؤون الأسرة ومنظمة الأمم المتحدة “يونسيف”، مؤخرا، حملة “علم لا تعلم” للتوعية من مخاطر وتبعات العنف على الأطفال، والتي تستهدف رفع الوعي للحد من العنف ضد الأطفال، وتتضمن محاور عدة منها “التنمر في المدارس”.
وفوجئت والدة الطالبة هديل في (الصف السابع) عندما طلبت منها تغيير مدرستها والانتقال لأخرى، واعتقدت الأم مطلب ابنتها “دلع” مما دفعها لإهماله، لكنها استدركت ذلك عندما انهالت ابنتها بالبكاء وسردت قصصا متعددة من زميلاتها المقربات في المدرسة.
تألمت الأم لدى سماعها ما روت ابنتها، كما أنها لاحظت في الفترة الأخيرة بعض التغييرات في شخصية ابنتها سواء  بتعاملها وعصبيتها الزائدة على الحد الطبيعي مع أشقائها في البيت، مما جعلها تبحث عن الحل المناسب لهذه المشكلة.
فكرت الأم، هل تقوم بنقل ابنتها إلى مدرسة أخرى، أم تذهب للمدرسة وتخبر الهيئة التدريسية بما يجري في الصفوف الدراسية، حيث توجد مجموعة من الطالبات اللواتي يقمن بفرض آرائهن ومطالبهن على جميع الطلبة، ورغم ذلك هناك طالبات يتقصدن إحراجهن وإيذاءهن أمام الأخريات.
قامت والدة هديل بإبلاغ المدرسة عن السلوك لهؤلاء الفتيات “المتنمرات” في المدرسة، منها: الاستهزاء بأنها قصيرة القامة، ثقيلة دم.. وغيرها من الصفات السيئة.
وتؤكد الأم أنها أخذت وعودا من المدرسة بعلاج الأمر، للأسف بدون جدوى تذكر، مما دفعها لنقلها لمدرسة أخرى.
ويشير اختصاصي علم النفس، د.موسى مطارنة، إلى أن التنمر هو حالة يكون فيها أحد الطلاب الأقوياء يمارس قوته على الطلبة الضعفاء، وأن يمارس هذه القوة والسلطة عليهم، وبالتالي يستجيبوا له ولا يخبرون أحدا بما يحدث معهم خوفا من “المتنمر”.
ويؤكد أن التنمر خطير جدا ويمكن أن يجعل الطالب يشعر بالاكتئاب والانسحاب والقلق والخوف، وكراهية المدرسة ويظهر عليه علامات التردد، وتدني التحصيل الدراسي علامات “التابع”، كما يمكن أن يقع الطالب ضحية عنف جنسي من المتنمر، وبالتالي يجب محاربة هذا السلوك بشكل حاسم في المدارس.
ويسبب التنمر حالة من القهر النفسي للضعفاء، والمتنمر يمارس قوته على الأضعف، ولا يمارسها على الأقوياء، لذلك في المدرسة يجب أن تتم متابعة جميع الطلبة من قبل المعلمين والمشرفين، ومساندة الطالب إن ظهرت عليه علامات التنمر، ومن ثم السيطرة عليها من خلال الحديث معه واستدعاء ولي الأمر، ومساندة الطالب وحمايته واتخاذ الإجراءات اللازمة مع الطلبة المتنمرين.
وتعرف الخبيرة التربوية مدربة الدماغ، د. خولة حسنين، التنمر بأنه سلوك عدواني متكرر يهدف إلى إيذاء الضحية والإضرار بها بشكل متعمد جسدياً أو معنوياً؛ للسيطرة عليها وإذلالها ونيل مكتسبات غير شرعية منها.
وتقول: “ويمكن للأهل معرفة فيما إذا كان الابن يتعرض للتنمر من خلال مظاهر عدة قد يعاني منها ضحايا التنمر من مثل: الآلام الجسدية كآلام المعدة والصداع وفقدان أو زيادة الشهية وقلة النوم، أو الآلام المعنوية والنفسية حيث يشعر بالدونية ونقص الثقة بالذات واليأس والخوف والعصبية والقلق والتوتر، وتقلب المزاج”.
كما قد يعاني من قلة الرغبة في الذهاب إلى المدرسة ويتكرر غيابه ويختلق الأعذار للبقاء في البيت، ويهمل واجباته وكتبه وأدواته المدرسية، ويكون مستوى تحصيله الدراسي منخفضا، كما يتراجع اهتمامه بالأنشطة المدرسية المفضلة لديه. وقد يهمل مظهره الخارجي ولباسه، ويميل إلى الوحدة والعزلة والانطواء ولا يصادق أحدا بسهولة ويكون لديه عدد قليل جداً من الأصدقاء، كما لا يحب الظهور في الأماكن المكشوفة والتجمعات.
وللأهل دور كبير في حماية ومساعدة الابن ضحية التنمر، وفق الدكتورة حسنين، وذلك من خلال الحرص على التواصل الإيجابي الدائم معه ومراقبته والانتباه إلى أي تغيرات غير طبيعية تطرأ على تصرفاته من حيث السلوك والحالة النفسية، والتحصيل الدراسي والرغبة في الذهاب إلى المدرسة، أو اضطرابات النوم والطعام.
وتوضح، أنه إذا تأكد الأهل أن الابن يتعرض للتنمر ينبغي التحدث معه بلطف وهدوء وطمأنته بأنه لا يوجد شيء خاطئ به هو شخصياً، بل الشخص المتنمر هو المخطئ. ويجب الحرص على التأكيد للابن أنه محبوب ومساعدته على بناء ثقته بنفسه وتقديره لذاته من خلال التركيز على نقاط قوته والحديث عن إنجازاته ونجاحاته، ومعاملته باحترام واهتمام، وإشراكه في الأنشطة المدرسية والاجتماعية المناسبة له.
وتذهب إلى أن تدريب الطفل على مواجهة المتنمر بشجاعة من خلال عدم البكاء أمامه والحديث معه بثقة وأن لا يستجيب لأوامره ولا يدخل معه في شجار، وأن يخبر إدارة المدرسة بما يحدث معه.
ويمكن تدريبه على رياضات الدفاع عن النفس لتعزيز قوته الجسدية والنفسية وزيادة ثقته بنفسه، مع التأكيد له أن الهدف من هذه الرياضات هو الدفاع عن النفس فقط وليس ممارسة القوة والعنف ضد الآخرين.
كما على الأهل التواصل مع المدرسة أو أهل الشخص المتنمر لإيجاد حل للمشكلة، وقد يحتاج الابن إلى علاج نفسي وسلوكي.

التعليق