استحضار التنمُّر الصيني المخادع

تم نشره في الثلاثاء 12 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

براهما تشيلاني*

نيودلهي- كلما اكتسب الصين المزيد من القوة، كثفت محاولاتها لتحقيق أهداف سياستها الخارجية عن طريق الخداع والإيهام، والتهديد، والتنمر. ولكن، مع استمرار مواجهتها الحدودية مع الهند عند منطقة جبال الهيملايا، أصبحت حدود هذا النهج واضحة على نحو متزايد.
بدأت المواجهة الحالية في منتصف حزيران (يونيو)، عندما اكتشفت بوتان، الحليفة الوثيقة للهند، أن جيش التحرير الشعبي يحاول تمديد طريق عبر دوكلام، وهي هضبة مرتفعة في الهيمالايا تنتمي إلى بوتان، ولكن الصين تدعي ملكيتها. وسرعان ما أرسلت الهند، التي تضمن أمن بوتان الصغيرة، قواتها ومعداتها لوقف البناء، مؤكدة أن الطريق -الذي يشرف على النقطة حيث تلتقي حدود التبت، وبوتان، وولاية سيكيم الهندية، يهدد أمنها.
ومنذ ذلك الحين، كان قادة الصين يحذرون الهند كل يوم تقريبا مطالبين إياها بالتراجع أو مواجهة الانتقام العسكري. وهددت وزارة الدفاع الصينية بتلقين الهند "درسا مريرا"، متعهدة بأن يتسبب أي صراع في إحداث "خسائر أعظم" من تلك التي أحدثتها الحرب الصينية الهندية في العام 1962، عندما غزت الصين الهند أثناء نزاع حدودي على جبال الهيملايا وأوقعت أضراراً كبيرة بها في غضون بضعة أسابيع. وعلى نحو مماثل، أطلق وزير الخارجية الصيني العنان لسيل من الانتقادات القاسية بهدف تخويف الهند وإخضاعها.
وعلى الرغم من كل هذا، التزمت حكومة الهند بقيادة رئيس الوزراء، نارندرا مودي، جانب الهدوء، ورفضت الاستجابة لأي تهديد صيني، ناهيك عن سحب قواتها. ومع استمرار الصين في التحريض على الحرب، أصبحت ألوانها الحقيقية ساطعة. وبات من الواضح الآن أن الصين تحاول استخدام الحرب النفسية لدفع أهدافها الاستراتيجية -الفوز بدون قتال، كما أوصى المنظر العسكري الصيني القديم، صن تزو.
شنت الصين حربها النفسية ضد الهند إلى حد كبير من خلال حملات التضليل والتلاعب بوسائل الإعلام، بهدف تقديم الهند -الديمقراطية الصاخبة التي يعيبها ضعف الدبلوماسية العامة- باعتبارها الطرف المعتدي، والصين بوصفها الطرف المتضرر. وقد انخرطت وسائل الإعلام الحكومية الصينية لأسابيع في حملة حماسية لتقريع وإهانة الهند. كما وظفت الصين "حرباً قانونية" استحضرت انتقائياً اتفاقاً من الحقبة الاستعمارية، في حين تجاهلت انتهاكاتها لاتفاقيات ثنائية أقرب إلى الزمن الحاضر -والتي استشهدت بها بوتان والهند.
في الأيام الأول القليلة من المواجهة، ساعدت الحرب النفسية الخاطفة الصين في فرض هيمنتها على السرد. ولكن مع إخضاع ادعاءات الصين وتكتيكاتها لقدر متزايد من التدقيق، واجه نهجها عوائد متناقصة. ومن منظور محلي، كانت محاولات الصين تصوير نفسها على أنها الضحية -مدعية أن القوات الهندية دخلت الأراضي الصينية بشكل غير قانوني، وما تزال باقية هناك- ضارة بوضوح، واستفزت ردة فعل سلبية قومية إزاء الفشل في طرد المتسللين.
ونتيجة لهذا، لحق الضرر بصورة الرئيس شي جين بينج كقائد آمر، إلى جانب افتراض هيمنة الصين الإقليمية، وهذا قبل أشهر قليلة من المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني. ومن الصعب أن نرى كيف قد يتمكن شي جين بينج من تحويل الموقف لصالح الصين.
على الرغم من التفوق العسكري الصيني الشامل، فإن الصين ليست في وضع يسمح لها بإيقاع هزيمة حاسمة بالهند في حرب تدور رحاها على جبال الهيملايا، نظراً لدفاعات الهند المحصنة على طول الحدود. وحتى الأعمال العدائية المحصورة عند المنطقة الحدودية الثلاثية تُعَد خارج حدود قدرة الصين على فرض هيمنتها، لأن الجيش الهندي يسيطر على تضاريس أعلى، وكثافة قوات الهند أعظم. وإذا انتهت مثل هذه الاشتباكات العسكرية إلى إلحاق أذى طفيف بالصين، كما حدث في المنطقة نفسها في العام 1967، فربما يثير ذلك مشكلة خطيرة للرئيس شي جين بينج في المؤتمر الوطني المقبل.
ولكن، حتى بدون صراع فعلي، من المرجح أن تخسر الصين. ذلك أن نهج المواجهة الذي تتبناه قد يدفع الهند، "الدولة الـمُرَجِّحة" الأكثر أهمية على المستوى الجيوسياسي في آسيا، إلى معسكر الولايات المتحدة، المنافس العالمي الرئيسي للصين. وربما يؤدي أيضاً إلى تقويض مصالحها التجارية في الاقتصاد الرئيسي الأسرع نمواً في العالَم، وبالتالي خنق شريان الحياة الذي يمد الصين بالواردات من الطاقة.
وقد حذرت وزيرة الخارجية الهندية، سوشما سوراج، ضمنياً من عقوبات اقتصادية إذا استمرت الصين، التي تدير فائضاً تجارياً سنوياً يقرب من 60 مليار دولار مع الهند، في تعكير السلام على الحدود. وعلى نطاق أوسع، أعلنت الصين أن انسحاب القوات الهندية غير المشروط يُعَد "شرطاً مسبقاً" لإنهاء المواجهة، في حين أصرت الهند، التي تواجه توغلات صينية متكررة على مدار العقد المنصرم، على أن يكون السلام الحدودي "شرطاً مسبقاً" لتعزيز العلاقات الثنائية.
على هذه الخلفية، ربما يكون أذكى تحرك من جانب شي جين بينج هو محاولة تأمين مساعدة الهند في إيجاد حل توفيقي يحفظ له ماء وجهه لإنهاء الأزمة. فكلما طال أمد المواجهة، تتزايد احتمالات تشويه صورة شي جين بينج المغروسة بعناية كزعيم قوي، وصورة الصين كقوة مهيمنة في آسيا، وهذا كفيل بتقويض الدعم الشعبي للنظام في الداخل وإضعاف نفوذ الصين على جاراتها بشدة.
تعرض هذه المواجهة مُسبقاً دروساً مهمة لدول آسيوية أخرى تسعى إلى التغلب على استئساد الصين. على سبيل المثال، هددت الصين مؤخراً بشن عمل عسكري ضد مواقع فيتنام الأمامية على جزر سبراتلي المتنازع عليها، الأمر الذي أجبر الحكومة الفيتنامية على وقف أعمال الحفر لاستكشاف الغاز عند حافة المنطقة الاقتصادية الخالصة للصين في بحر الصين الجنوبي.
ولا تبدو الصين جاهزة بعد لتغيير نهجها. حتى أن بعض الخبراء يتوقعون إقدامها قريباً على التحرك إلى الأمام في "عملية عسكرية مصغرة" لطرد القوات الهندية المتمركزة حالياً على أراضيها المزعومة. ولكن مثل هذا الهجوم من غير المرجح أن يعود بأي خير على الصين، ناهيك عن تغيير الوضع الإقليمي الراهن في منطقة الحدود الثلاثية. ومن المؤكد أن الهجوم لن يسمح للصين باستئناف العمل في إنشاء الطريق الذي تريد تمديده. والأرجح أن هذا الحلم مات عندما فضَحَت الهند خداع التنمر الصيني.

*أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسة في نيودلهي، وزميل أكاديمية روبرت بوش في برلين. من كتبه: "الماء، السلام والحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق