بينما يتقلص "داعش".. "القاعدة" يتمدد

تم نشره في الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • مقاتلون من "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة في محافظة إدلب السورية - (أرشيفية)

باتريك كوبيرن - (الإندبندنت) 8/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يقوم تنظيم القاعدة الآن بتأسيس أقوى معقل له على الإطلاق تقريباً في شمال غرب سورية، في وقت ينصب فيه الانتباه العالمي كلية تقريباً على الهزيمة الوشيكة لتنظيم "داعش" في شرق البلاد. وقد رسخ تنظيم القاعدة سيطرته الكاملة على محافظة إدلب، وعلى معبر حدودي حيوي على الحدود السورية التركية منذ تموز (يوليو) الماضي. وفي الأثناء، يقول بريت مكغورك، المبعوث الأميركي الرفيع في الائتلاف الدولي الذي يقاتل تنظيم "داعش" إن "محافظة إدلب تشكل أضخم ملاذ آمن للقاعدة منذ 11/9".
لطالما كانت المنظمة المرتبطة بتنظيم القاعدة "هيئة تحرير الشام" التي كانت تدعى في السابق جبهة النصرة، هي الأقوى بين مجموعات الثوار في غرب سورية. وبعد استيلاء الجيش السوري على شرق حلب في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، انتقلت "هيئة تحرير الشام" إلى القضاء على منافسيها في إدلب، بما فيها حليفها القوي السابق المدعوم من تركيا، مجموعة "أحرار الشام". ويقدر أن هيئة تحرير الشام تضم في صفوفها حوالي 30.000 مقاتل متمتعين بالخبرة، والذين سترتفع أعدادهم بينما تقوم المنظمة بدمج كتائب من مقاتلي مجموعات الثوار الأخرى المهزومة، وتقوم بتجنيد الشباب من مخيمات النازحين داخلياً، والذين سعوا إلى البحث عن ملاذ في إدلب هرباً من القوات الموالية للرئيس بشار الأسد.
يزداد تنظيم القاعدة قوة في محافظة إدلب وفيما حولها بينما يمنى يتنظيم "داعش" بالهزيمة تلو الأخرى في شرق سورية وفي العراق. قد تمثلت آخر انتكاساته في فشله يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي في وقف الجيش السوري عن الاتصال مع جيبه المحاصر في دير الزور، حيث كان "داعش" يفرض حصاراً منذ ثلاثة أعوامٍ على جزء المدينة الذي تسيطر عليه قوات الحكومة السورية. وتشكل مدينة دير الزور، التي يقسمها نهر الفرات إلى قسمين، أضخم مدينة في شرق سورية، وقد فتح الاستيلاء عليها بالكامل مجدداً الباب أمام الوصول إلى حقول العمر النفطية التي كانت تزود سورية في السابق بنصف إنتاجها من النفط الخام.
من شأن إنهاء الحصار، على افتراض دحر قوات "داعش" التي تحاصر المنطقة بشكل دائم، تحرير حامية الجيش السوري التي تضم ما يتراوح بين 5.000 و10.000 جندي، بالإضافة إلى 93.000 مدني كانوا عالقين في المنطقة التي تقع تحت سيطرة الحكومة، والذين كانوا يزودون بالمؤن عبر إنزال عن طريق الجو. ودير الزور هي آخر مركز حضري يفقده "داعش" في الجزء السوري من وادي الفرات، والتي كانت تشكل قلب الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم الإرهابي في سورية. ويعاني "داعش" من الانتكاسات في كل مكان. وانطلاقاً من أعلى النهر من دير الزور في الرقة، تقاتل قوات سورية الديمقراطية التي تدعمها الولايات المتحدة ويديرها الأكراد، من أجل شق طريقها إلى داخل المدينة. وقد تمكنت من الاستيلاء على حي البلدة القديمة في الأيام القليلة الماضية.
على الرغم من قوته القتالية المعروفة، ينهار "داعش" الآن أمام الهجمات البرية التي تشنها أطراف مختلفة من جبهات متعددة في العراق وسورية. وتقلب الموازين ضده في كل الحالات قوة النار الهائلة التي تصبها عليه الطائرات الروسية والأميركية دعماً للهجمات البرية. وسوف تتسارع هزيمة "داعش" في شرق سورية عندما تنضم العشائر المحلية، التي كان "داعش" في السابق قد غلبها أو أرهبها، إلى الجانب الكاسب. وقد لا تحب الولايات المتحدة والأكراد السوريون عودة سلطة الحكومة السورية إلى شرق سورية إلى الجنوب من الرقة، لكنهم لا يبدون وأنهم ينوون الاستعداد لوقف مثل هذا التطور بجدية. وتكمن أولوية الرئيس ترامب بوضوح في القضاء على تنظيمي "داعش" والقاعدة، بغض النظر عن الجانب الذي سيحكم سورية في المستقبل.
تشكل الأخبار السيئة بالنسبة لتنظيم "داعش" أخباراً جيدة لهيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة. وتشغل مهمة إلحاق الهزيمة به بال أعدائه الكثر الذين يخصصون له جُل جهودهم العسكرية. ولأنه أصبح مفتقراً إلى القوات القتالية، أصبح الجيش السوري قادراً فعلياً على بذل الحد الأقصى من الجهد على جبهة واحدة وحسب في وقت واحد. ويبدي الأكراد السوريون اهتماماً في قتال "داعش"، ولكن ليس هزيمته بشكل حاسم بالضرورة بحيث تستغني الولايات المتحدة عن التحالف مع الأكراد ويمكن أن تعود بعده إلى حليفتها في الناتو، تركيا.
وفي الأثناء، تقف هيئة تحرير الشام في موقف مناسب للاستفادة سياسياً وعسكرياً من تراجع "داعش"، الصانع الأصلي والمرشد الأبرز لجبهة النصرة، كما كان يُعرف التجسد المبكر لفرع تنظيم القاعدة في سورية. وتحت اسم النصرة، الفرع السوري المنشق عن الحركة في العام 2013، خاض الجانبان حربا أهلية داخل-جهادية. وإذا هزم "داعش" أو تحول إلى قوة هامشية، فإنه لن يكون لدى الجهاديين العرب السنة الرافضين الاستسلام للجيش والمخابرات السورية أي بديل سوى الانضمام إلى هيئة تحرير الشام. وبالإضافة إلى ذلك، قد يتطلع العرب السنة في شرقي سورية في الحال إلى أي وسيلة فعالة للمقاومة، إذا تصرفت قوات الجيش التابعة للكومة السورية بالخليط التقليدي من الوحشية والفساد.
سوف تتوقع هيئة تحرير الشام من الدول العديدة التي تقاتل "داعش" حالياً وتقوم بتمزيق أوصال خلافته التي عمرت ثلاثة أعوام وحسب، أن تتحول إلى محاربة الهيئة تالياً. لكنها ستأمل في تأخير المواجهة قدر الإمكان بينما تقوم بتقوية حركتها. ولأنهم متشابهون أيديولوجياً -لكنهم أكثر ذكاء وخبثاً من "داعش"، سوف يسعى قادة هيئة تحرير الشام إلى تجنب اندلاع معركة نهائية على المناطق، والتي سوف يخسرونها. ويحذر بعض المختصين في الشأن السوري من مغبة الانتظار طويلاً. ويقول فابريس بالانش في دراسة نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى تحت عنوان "منع تشكُّل مصنع جهادي في إدلب"، إنه "يجب على المجتمع الدولي السعي حثيثاً إلى التصدي لهجمات هيئة تحرير الشام التي تصبح أقوى يوماً بعد الآخر من دون انتظار التدمير الكامل للدولة الإسلامية". ويقول أيضاً إن هيئة تحرير الشام تريد فرض هيمنتها على كل الثورة السورية، وهي قاب قوسين أو أدنى من النجاح في تحقيق ذلك.
سوف تخلق الهيمنة المفتوحة على مصراعيها لحركة جهادية إسلامية متطرفة مثل هيئة تحرير الشام مشكلة للقوى الأجنبية، وخاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وتركيا والسعودية وقطر، التي تقدم الدعم للثوار السوريين. وتجدر الإشارة إلى أن هيئة تحرير الشام التي لم تفلح جهودها للتظاهر بالنأي بنفسها عن تنظيم القاعدة سوى في إقناع القليلين، وهي تبقى بالنسبة للعديد من البلدان تنظيماً إرهابياً، على عكس حليفها السابق، تنظيم أحرار الشام. وسوف يكون من الصعب على القوى الأجنبية القيام بالعمل معها على الرغم من أن المعارضة المسلحة للرئيس الأسد كانت خاضعة مطولاً للمجموعات الجهادية الإسلامية المتطرفة. والفرق اليوم هو أنها لا توجد أي مجموعات مستقلة اسمياً، والتي تستطيع الدول والمانحون الخاصون المعادون للأسد نقل الأموال والأسلحة إليها بينما تتظاهر بأنها لا تدعم الإرهاب.
كان "داعش" قد أعلن الحرب على كل العالم في العام 2014، ودفع على نحو محتم ثمن خلق أعداد مضاعفة من الأعداء الذين أصبحوا الآن يطاردونه في سورية والعراق. وثمة العديد من أعضاء تحالف الأمر الواقع هذا الذين لم يحبوا بعضهم بعضاً بالقدر نفسه الذي كرهوا به "داعش". وكان الخوف من التنظيم الإرهابي هو ما أجبرهم على التعاون -أو على الأقل عدم قتال بعضهم بعضاً. وقد لا يكون من الممكن إعادة تكوين وحدة الهدف نفسها ضد تنظيم القاعدة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 As ISIS Shrinks ,Al Qaeda Expands

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

 

التعليق