بوتقة الانصهار لم تفشل

تم نشره في الأربعاء 13 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

هآرتس

رامي لفني  13/9/2017

اليكم نكتتان؛ الاولى هي أنه قبل ثلاث سنوات في لقاء مفتوح لـ"بولي تكفا- نخاف على الدولة"، وهو برنامج للتأهيل السياسي الاول من نوعه، قمت بتصميمه للحريديم، ترددنا أنا وزميلتي الحريدية في هل نرتب الصف الدراسي بصورة تقتضي الفصل بين الرجال والنساء. من الطبيعي أننا فضلنا عدم الفصل، لكننا خشينا من الاحتجاج ومن التذمر وحتى من المعارضة الشديدة، التي يحتمل أن تظهرنا كمنبوذين ليبراليين.
اثناء استمرارنا في التردد انقضى الوقت. وبدأ أوائل من يعتمرون القبعات ومن يلبسن غطاء الرأس، بالدخول. وجميعهم من المحافظين على الفرائض الدينية. وبصورة طبيعية جلسوا في اماكنهم دون الاستغراب من قواعد الفصل بين الجنسين. وللغرابة، فإن الجلسة المختلطة لم تتم اثارتها اطلاقا على مدى البرنامج. ربما كان يصعب تخصيص الوقت لذلك في المحاضرات والنقاشات المتقدة حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وحول المواضيع الامنية والخصخصة. المحاضرة التي اثارت ردود فعل شديدة ومضحكة بصورة خاصة، كانت محاضرة لسياسي كبير من اليسار، تفاخر بخلفيته التقليدية وأطلق اقتباسات بروح "ليبرالية" من المصادر اليهودية. لقد تم فهم ذلك من قبل الحضور على أنه محاولة واضحة للتحدث معهم وكأنهم أولاد لا يستطيعون المشاركة كمتساوين في الخطاب السياسي العام.
النكتة الثانية هي أنه منذ فترة قصيرة، تمهيدا لطرح برنامج مواز لـ"بولي تكفا" للمتحدثين بالروسية، قاموا بتنبيهنا أكثر من مرة إلى أنه يجب اخفاء تطوير الشخصية الثقافية "الروسية" المنفصلة. وأنه يجب علينا الامتناع عن التطرق إلى الصهيونية بلهجة تفسر وكأنها وعظ متعال. وسمعنا أيضا أنه يجب الحذر من اطلاق الرموز التي تعطي الاحكام بشأن الحاجة إلى دمج المتحدثين بالروسية في الواقع الإسرائيلي. أو بشأن النماذج السياسية والاجتماعية المقبولة علينا، ولا سيما من قبل مواليد البلاد الذين ليس لهم حق في تنبيه مجموعة ضعيفة.
ولكن عندما بدأ البرنامج تم اغراؤنا للقيام بما هو ليس سليما. المصيبة التي أخبرونا عنها لم تحدث. بالعكس، عدد من المتحدثين بالروسية طلبوا الانتقال من الحديث عن الفلوكلور إلى الحديث عن نوفي غود، والشوبا (أكلة شعبية) ومسرح "غيشر" (الجسر). والانتقال أيضا من الحديث عن آلام الاستيعاب والمسؤولية التاريخية عنه إلى مواضيع تعنيهم أكثر مثل الإسرائيلية بشكل عام. إن اللوحة الصهيونية كانت خلافا لما هو متوقع، والتي ترفع المعنويات في البرنامج ومشاركتنا أيضا، نحن المنظمون من مواليد إسرائيل، في الخطاب الانتقادي على عناصر فأسدة في الجو السياسي والاجتماعي لجمهور متحدثي الروسية – تم استيعابها وكأنه شيء مفهوم من تلقاء ذاته. من حسن الحظ أننا لم نأخذ بالنصائح والتحذيرات.
هل يمكن أن نتعلم شيئا من هاتين النكتتين؟ دائما يمكن الادعاء بأن الحريديم والمتحدثين بالروسية الذين ذكروا هنا، لا يمثلون، لكن هذا مخرج سهل جدا. ولا شخص لا يمثل، واذا كان هناك شخص لا يمثل أي شخص، فمن سيمثل؟ الحديث لا يدور عن اشخاص منفردين، بل عن عشرات ومئات الاشخاص، الذين العبرة بشأنهم جيدة أيضا لاشخاص آخرين، مثل المهاجرين من اثيوبيا، الذين في معظمهم لا يوافقون على حشرهم في هذه الكوة الخطرة، ولا ينتظرون الندم على الخطأ، ومثل مواطني إسرائيل العرب الذين خلافا للرأي السائد بين الكثيرين، لا يكتفون بخطاب الاتهام، النكبة والكولونيالية. أيضا في اوساطهم وفي اوساط باقي المجموعات، جزء منا يبدو وكأنه متطرف في مواقفه، يعبر عن رد دفاعي متمترس، لكنه ظرفي، على الاهانة من اقصائه – نداء صارخ كي يسمع صوته أيضا – وليس حسما ايديولوجيا انفصاليا غير متشدد.
الدرس من ذلك هو أن الحاجة إلى الفخامة الإسرائيلية لم تنته، ومن الافضل أن ننفعل بشكل أقل من الذعر التقليدي الذي يثير سياسة الهوية الراديكالية. الحريديم والمتحدثون بالروسية وغيرهم لا يحتاجون إلى التحدث بلغتهم الـ "يهودية" أو "القطاعية" أو أن يتوسلوا اليهم أو أن يتساهلوا معهم، إنهم يشعرون أن هذا نفاق وعجرفة حقيقية.
الاحساس بالذنب هو مستشار مشكوك فيه. يجب مناقشة آلام الماضي، ويجب دائما عدم المس أو الاهانة. ولكن اضافة إلى ذلك مطلوب استقامة وتضامن عميق، لا تتمثل في منع الألم، بل بالاهتمام الحقيقي بالآخر.
هناك من يحاولون، لاسباب مختلفة، وصف الرواية الإسرائيلية الحديثة كنقيض لبوتقة الانصهار، على طريقة مجموعات اجتماعية مختلفة لتحرير الهوية والاستقلال من نير الإسرائيلية الموحدة. هذا ليس صحيحا، الرواية الإسرائيلية هي قبل كل شيء هي الطريق الصعب لهذه المجموعات ولنا جميعا، من اجل الانتماء، التعطش كي نكون جزء من. إن بوتقة الانصهار لم تفشل، لكن إسرائيليون كثيرون لم يحصلوا على الفرصة المناسبة للاندماج فيها. لهذا مطلوب إجراء انتقاد ذاتي.

التعليق