محمد أبو رمان

التشغيل بدلا من التوظيف

تم نشره في الأربعاء 13 أيلول / سبتمبر 2017. 11:09 مـساءً

استمع مجلس الوزراء إلى البرنامج الذي قدّمه وزير العمل علي الغزاوي، لمجلس الوزراء، الأسبوع الماضي، عن خطة متدرجة إلى العام 2021، تهدف إلى تدريب وتأهيل العمالة الأردنية في ستة مجالات رئيسة (السياحة، والخدمات، والصناعة، والإنشاء والتعمير، والزراعة، والطاقة)، وتوفير فرص وحوافز للتدريب والتأهيل، وتخفيض العمالة الوافدة في قطاعي الصناعة والزراعة بحدود 25 %، وفي الإنشاء والبناء بحدود 10 %.
البرنامج طموح، نظريا، وهنالك حوافز وخطط وموارد مخصصة لإنجاحه عملياً، لكن يبقى لدينا هاجس مشروع ومبرر من أن نجد أنفسنا بعد ثلاثة أعوام من الآن (أي 2021)، نحصد ماءً في بحرٍ لجّي، وأن تتبخر تلك الاستراتيجيات والوعود من دون نتائج نوعية وملموسة على أرض الواقع.
دعونا، بدايةً، نقر بعض الحقائق الرئيسة؛ الأولى أنّ لدينا معضلة حقيقية وكبيرة في الأردن، تتمثل في مفارقة أنّ هنالك معدل بطالة مرتفعا تجاوز الـ17.8 %، رسمياً، ويكاد يصل إلى 40 % على صعيد فئة الشباب، وهو رقم مرعب مخيف، بمثابة الكرة الملتهبة في حضن الحكومة والمجتمع، وفي الوقت نفسه فإنّ هنالك حجم عمالة وافدة مذهلا في الأردن يتخطّى المليون، يعملون في قطاعات مختلفة، من بينها الخدمات والسياحة والإنشاء والتعمير والصناعة والزراعة وعاملات المنازل.
هذه المعادلة المعقدة من المفترض ألا تمرّ مرور الكرام في دولة ليست نفطية، تعتمد على مواردها الذاتية اليوم بدرجة كبيرة، ما يخلق أولولية قصوى ومهمة أساسية لدى الحكومات اليوم تتمثل بـ"إعادة هيكلة سوق العمل"، أو بتعبير أكثر وضوحاً وتبسيطاً؛ إحلال العمالة المحلية محل الوافدة.
الشعار الذي أطلقه الوزير مهم ومقنع "التشغيل لا التوظيف"، ما يعني، ضمنياً، أنّ الرهان هو على القطاع الخاص، في المرحلة القادمة، في توليد فرص العمل أو في عملية "الإحلال"، وهذا بدوره يتطلب حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات والتشريعات، وبرامج التدريب والتأهيل، والحوافز، تتكامل معاً، لإنجاز المهمة التاريخية المطلوبة، أو تصحيح المسار المعوج داخلياً، وهي المهمة التي اقترحنا على الحكومة سابقاً، أن تكون من ضمن أولويات مشروعها وخطوطه العامة الرئيسة.
ما قرأناه من تفصيلات أوردها الوزير جيّدة، ومهمة، لكنّها ليست كافية، ولا تؤسس لـ"نقطة تحول" Tipping Point، نسعى إليها جميعاً، وتعطينا ضمانات أنّنا غيّرنا المسار، ونذهب اليوم بالاتجاه المطلوب؛ أولاً الاعتماد على التشغيل في القطاع الخاص، لا التوظيف في القطاع العام، وثانياً إحلال العمالة الوطنية والمحلية محل العمالة الوافدة.
المطلوب أن نضع ما يشبه المانفيستو لعملية تاريخية تبدأ بمواجهة حقيقية وقوية مع مشكلة البطالة، عبر برنامج يعدّل تشريعات العمل، ورقابة على القطاعات المغلقة مع زيادة رقعتها بمرور الوقت وتنظيمها بصورة واضحة وقانونية وإدارية صارمة، وتحويل موازٍ في مجال التعليم المدرسي والجامعي والشهادات، وتعاون وثيق بين القطاع الخاص والحكومة في مجال التدريب والتأهيل واستحداث فرص العمل.
هذه المهمة التاريخية لا تقع على كاهل وزير العمل وحده، بل هنالك دور لوزراء التربية والتعليم العالي والصناعة والتجارة والزراعة والأشغال والسياحة والمحافظين والبلديات والقطاع الخاص، لذلك تتطلب ورشة عمل وطنية حقيقية ينتج عنها المانفيستو المطلوب، ثم تدشين اتجاه عام سياسي ومجتمعي يصب في هذا الاتجاه، ويضع علامات على الطريق المنشودة للوصول إلى تحقيق نتائج واقعية، فلا نجد أنفسنا بعد أعوام ندور في الحلقة المفرغة نفسها، مع أكوام من الخطط والمشروعات غير المطبقة أمام أعيننا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العمالة الوافدة (lمتابع)

    الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017.
    يا اخي...وين اتفاقية لندن والمرتبطة بتشغيل السوريين من البرنامج اللي قدمة معالية؟
  • »تعقيب على بسمة (محمد أبو رمان)

    الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017.
    شكراً بسمة على الملاحظات المهمة والمفيدة، وأنت تدركين بكل تأكيد أننا نستفيد من الملاحظات والمعلومات القيمة التي تقدمينها، وفي أحيان أشاركها على صفحتي على الفيس بوك، وكذلك الأمر الزملاء فهد وجمانة نعتز بتعليقاتك ونهتم بها، ولكل كل التقدير والاحترام
  • »الداخلين إلى السوق سنويا وتعيينات الحكومة (بسمة الهندي)

    الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017.
    بتعرف استاذ محمد، مهم أن مزيد من الكتاب والصحفيين يتطرقون إلى الموضوع الاقتصادي ويتوغلون في التفاصيل ويلجأون إلى المصطلحات ويبسطون الفكرة للقارئ. وانت لك دور مهم بذلك - اتابع تطورك بهذا الاتجاه.
    هناك اليوم وعي أفضل بالاقتصاد ومفاهيمه عند الناس، والمهم في ذلك أن المسؤول لا يستطيع اليوم تمرير "سياساته الاقتصادية العبثية" بالقاء مجموعة من المصطلحات والاحصاءات التي لم يكن يفهمها العامة (زمان: شكلو المسؤول خبير بالاقتصاد وفاهم شو عم بيسوي - اليوم: لا مش خبير ولا فاهم).
    بالنسبة لموضوع المقال، اقترح ايضا إلى جانب استخدام نسبة البطالة اللجوء إلى الارقام المباشرة مثل الاشارة إلى أن سوق العمل يدخله مائة ألف عامل سنويا بينما الحكومة تستطيع تعيين فقط خمسة آلاف (عليك أن تتأكد من الارقام، فما أقوله مبني على بيانات قديمة) أو أن تقول أن هناك ربع مليون طلب لدى ديوان الخدمة المدنية. خذ مثلا عدد الطلبة المقبولين سنويا في الجامعات، فإذا علمت أن خريجي الجامعات يشكلون بين 30 إلى 40 بالمئة من الداخلين الى سوق العمل بتقدر تعمل الحسبة.
    ما زال هناك بعض المفاهيم الاقتصادية المتداولة في الاعلام غير صحيحة مثل أن العمالة الوافدة تأخذ وظائف الاردنيين وتؤثر سلبا على البطالة أو على الاقتصاد. لا تتوقع حل للمشكلة عندما يكون التشخيص غير سليم - عجبني بالامس قول جواد العناني، وهو قول صحيح، بأن الدينار المحاسبي لا يساوي الدينار الاقتصادي (اتحدى إذا في حدا بالبرلمان يمكن له أن يفسر ذلك).
    منذ تعليقي الاول في الغد قبل عشر سنوات وأنا أسعى لمحاورة كتاب الغد بقصد اغناء النقاش والمعرفة وهذا ما يحتاجه الكاتب كي يتألق وينمو؛ النقاش المبني على المعلومة والمعرفة، وذلك لأنني راهنت على الغد وكتابها. احب بلدي واريد له أن يكون أفضل البلاد.