الروهينغا وخرافة التسامح البوذي

تم نشره في الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً
  • لاجئون من الروهينغا يتظاهرون في كوالا لمبور ضد اضطهاد مواطنيهم في بورما – (أرشيفية)

رضا بيربهاي* - (كاونتربنتش) 13/9/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

عندما يتم تطويق الكبار والصغار وإطلاق النار عليهم بشكل منهجي. وعندما تتعرض النساء للاغتصاب الجماعي ويتم إلقاء أطفالهن في مجاري المياه ليغرقوا. عندما تُحرق منازلهم وأماكن أعمالهم. عندما تكون كل فظاعات التطهير العرقي واضحة للعيان، يقفز القانون الدولي وتهب الهيئات العالمية الدولية ودولها المؤسسة إلى العمل بالتزامن لوضع حد لإعمال العنف وتوفير الملجأ للناجين، وجلب الجناة إلى العدالة بغض النظر عن هوية الجاني أو الضحية.
هكذا قيل لنا. لأنه بينما تتكشف المذابح والتشريد المتواصلين لمسلمي الروهينغا في ميانمار، فإن القانون الدولي ليس أعمى.
منذ تم إلغاء حقوقهم في المواطنة بشكل متواصل في الفترة بين الأربعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تعرض الآلاف من الرجال والنساء والأطفال من طائفة الروهينغا البورمية للقتل والاغتصاب. وقد جرفت قراهم وسويت بالأرض، وهرب أكثر من مليون منهم إلى بلبلدان المجاورة من دون كثير من الاحتجاج العالمي. حتى أن محاولات الأمم المتحدة المتأخرة للتحقيق في أحدث الممارسات البربرية ضدهم لم تتضمن تشكيل لجنة كاملة للتحقيق. كما قامت الحكومة بوذية القيادة التي تترأسها الفائزة بجازة نوبل للسلام أونغ سانغ سو كي، بمنع المحققين المستقلين من دخول البلاد.
يقول حميد دباشي من جامعة كولومبيا في مقال حديث: "تخيل للحظة فقط لو كانوا يهوداً أو مسيحيين أو "بوذيين مسالمين" هم الذين كانوا ضحايا لاضطهاد المسلمين". وعلى ضوء الانتباه الذي يجلبه العنف المسلم، فإن السبب الذي يقف وراء الافتقار الظاهر للغضب لحماية الروهينجيا واضح بالنسبة إليه: "ثمة شيء في النسيج الليبرالي للخيال الأوروبي والأميركي أصبح سرطانياً. إنه لا يرى المسلمين كآدميين أسوياء".
وحتى عندما يقر المرء بأن بنغلادش المسلمة (حيث سعى نحو 500.000 من الروهينغا للجوء) سعت منذ وقت طويل إلى منعهم من "التسلل"، فإن فكرة الدباشي تصيب الهدف.
وفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فتح البنغاليون العاديون قراهم وبلداتهم للتدفق الأحدث من لاجئي الروهينغا وقدموا لهم الطعام والملابس والمأوى. وحتى أعمال الدولة غير المتحمسة، تعكس فقط عجز بنغلاديش عن استيعاب بني دينهم من الروهينغا من دون تلقي الدعم الدولي الذي يبدو أنه غير وشيك.
بالإضافة إلى ذلك، شرعت حكومات عديدة ذات أغلبية مسلمة، بالإضافة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، في التعهد بتقديم الأموال والإعراب عن القلق العميق لمواطنيها. ولكن، أهي فكرة تجريد المسلمين من الإنسانية في الخيال اليورو-أميركي هي التي تبدو عاملة في جعل أصواتهم تقع على آذان صماء في الخارج؟ وماذا عن الصورة المعاكسة لـ"البوذيين المسالمين"؟
يمتلئ العالم الأكاديمي في الحقيقة بالأمثلة عن الدراسات التي تشيد بالتسامح والشمولية عند البوذيين، وليس هذا الطرح العام جديداً. ووفق ثوماس تويد، أستاذ التاريخ في جامعة نوتردام، فإن زيادة الوعي بالتنوع الديني بسبب التوسع الاستعماري وبعثات التبشير المسيحية قادت مفكري التنوير اليورو-أميركي الذين أحبطتهم الطائفية المسيحية إلى اعتبار البوذية تفي بشروط "الدين الطبيعي"، (أو "الفلسفة الخالدة") التي سعوا إليها، والتي تروج "التسامح" تجاه الناس من مختلف الأديان والطيعة للتقدم العلمي. وكانوا مقتنعين جداً إلى درجة أن البعض، مثل العالم الألماني الأميركي بول كاروس في القرن التاسع عشر، أسبغ صفة الطُّهر على بعض البوذيين الآسيويين عندما شنوا هجمات عنيفة مثيرة للجدل على البعثات التبشيرية المسيحية، متهماً الآسيويين باستخدام لغة "لم يكن ليستخدمها بوذا". هكذا ولدت الخرافة السائدة، والتي عبر عنها بشكل خاص بحلول أوائل القرن العشرين المواطن الأميركي السويدي ثيوسوفيست هيرمان فيترينغ، والتي تقول إن البوذية هي "دين تسامح نبيل، ودين الأخوة الإنسانية والاستقامة والعدالة"، والذي في نموه ليصبح ديناً لمجتمع عالمي لم يتسبب "في إراقة نقطة دم واحدة".
ويواصل الأستاذ المشارك للدراسات الدينية، مايكل جيريسون، من حيث انتهى تويد، ليُظهِر أن  الميل نحو إقران البوذية بالتسامح لم يمت في أوائل القرن العشرين، أو ما يزال محفوظاً في برج عاجي. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، وجد ذلك طريقه إلى كتابات جاك كرواك وألين غينسبيرغ، وتقدم أكثر إلى أمام بأعمال مثل عمل روبرت بيرسينغ، "زن وفن صيانة الدراجة النارية"، وفي الأبعاد السياسية المفترضة في الثمانينيات في شكل "حركة التبت الحرة". وأخيراً، من يستطيع أن ينسى (حتى لو أراد ذلك) كيانو رييفس في عمل بيرناردو بيرتولوتشي "بوذا الصغير"؟
ومع ذلك، يروي التاريخ الاجتماعي قصة مختلفة عن قصة المستشرقين والثقافة الشعبية. ففي مقابل كل حادثة للتسامح، يقدم التاريخ أيضاً أمثلة على عدم التسامح العنيف الذي شرعنته العقائد البوذية ونفذه أتباعها. وبينما تتحدث الكثير من النصوص اليانية (دين هندي نشأ في القرن السادس قبل الميلاد أساسه تحرير الروح بالمعرفة والايمان وحسن السلوك) والبراهمية عن اضطهاد مارسه البوذيون الهنود، فكذلك يتهم البوذيون منافسيهم الجنوب آسيويين بالشي نفسه. ولنتأمل أمثلة جيريسون في القرن السادس عن الراهب البوذي الصيني فاكينغ، الذي وعد أتباعه البالغ عددهم 50.000 بأنه كل معارض يقتلونه سيرفعهم إلى مرحلة أعلى في طريق البوذية. ولنتذكر أنه مع دخول القومية، هب الرهبان البوذيون لنصرة الرينزاي الياباني للحملة العسكرية ضد الروس في العام 1904/5، أو تبريرات زن أو بوذيي الأرض النقية للغزوات اليابانية للصين وكوريا وسنغافورة خلال الحرب العالمية الثانية.
لقد فسدت البوذية في هذه الأماكن، كما يقولون، وبالتالي أصبحت ممارسة العنف ضرورية لضمان استعادة البوذية "الحقة" والحفاظ عليها. ويكمن الخطاب نفسه -لبعض البوذية الأساسية المهددة- وراء التعصب الديني الذي أصبح أكثر قومية مؤخراً والعنف الذي كشف عنه الرهبان ورجال الشارع البوذيون ضد غير البوذيين في تايلند وسيريلانكا وبوتان -وأخيراً وليس آخراً في ميانمار.
يخلص جيريسون إلى استناتج ذكي: "لا يتوافر أي دين على احتكار لـ‘الناس العنيفين’. كما لا يمتلك أي دين مفرد نزوعاً طبيعياً أكبر نحو العنف". فكل الأديان هي مجمعات شاسعة من الأفكار والمؤسسات، ويستطيع أتباع كل دين أن يعثروا دائماً على شرعية للعدونية أو الترحاب بالآخر، اعتماداً على الحاجات والرغبات الدنيوية. وهذا هو السبب بالتحديد الذي يجعل الفصل الواضح بين البوذية التاريخية وبينالخرافة الأورو-أميركية المستدامة عن تسامحها خبيثاً بمثل خبث التجريد الأبدي للإسلام والمسلمين من الإنسانية. وقد اعتُبِر هؤلاء البوذين الناس الأخيار، بينما اعتُبر المسلمون الأشرار وفق هذا المنظور. وتشكل كل من هاتين الفكرتين خيطاً ضرورياً في هذا النسيج الليبرالي من التصور الأوروبي-الأميركي الذي يغشي نظرة القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بقتل وتشريد الروهينغا.

*أستاذ مشارك للتاريخ في كلية الخدمة الخارجية التابعة لجامعة جورج تاون في قطر. أحدث كتبه "فاطمة جنة: والدة الأمة".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Rohingya and the Myth of Buddhist Tolerance

التعليق