صيد الساحرات (Witch Hunt) (3-1)

تم نشره في الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017. 12:08 صباحاً

ربما لم يبق منابع للإعلام في العالم لم يسمع بهذا المصطلح بعدما أعاد الرئيس الأميركي "الكذاب" إطلاقه من سباته، فقد وصف الذين يتهمونه بالعمالة لروسيا ويتابعون التحقيق في الموضوع بصيادي الساحرات (Witch Hunt) دون أن يبين ماذا يقصد: هل يقصد أنهم يبحثون في السراب، أم سيتعبون بالتحقيق كما كان يتعب المحققون في التحقيق مع المتهمات بالسحر؟ أم أنه يعني حملة عليه لأنه يختلف عنهم في وجهات نظره؟
وأياً كان الأمر فقد قضت أوروبا نحو قرنين وهي منشغلة في هذا الموضوع (1500 - 1700) وهي فترة الإصلاح أو الاضطهاد الديني الذي حل بالأوروبيين في تلك الفترة، حيث تمت محاكمة ثلاثة وسبعين ألف ساحرة وساحر تم إعدام ما يقدر بأربعين إلى خمسين ألفا منهم بالسيف أو بالحرق، كان من بينهم زهاء عشرين ألفا إلى خمسة وعشرين ألفا في ألمانيا بحدودها الحالية. وكان خمسة وسبعون في المئة من المتهمين في ألمانيا نساء كما تقول الأستاذة في جامعة كمبردج بولينكار بلاك.
في تلك الفترة كانت الحروب الدينية مركبة بين الكاثوليك والبروتستانت ( كما بين الشيعة والسنة) وبين البروتستانت أنفسهم اللوثريين والكلفنيين (كما بين القاعدة وداعش).
في حرب الثلاثين سنة 1618 – 1640 كانت كل أوروبا تحارب كل أوروبا (كما هو حال المسلمين اليوم) وكانت ألمانيا بحدودها الحالية هي المسرح الرئيس للحرب حيث أبيد نحو سبعة ملايين من سكانها. وانتهت الحرب باتفاقية وستفاليا العام 1648 التي أنهت الإمبراطورية الرومانية المقدسة الاسمية وبدأ بها النظام الأوروبي الحديث والتسامح الديني.
عندما تدرس العقلية الأوروبية في تلك الفترة وبخاصة في ألمانيا فإنك لن تتردد إذا رأيتها ماثلة في العقلية المسلمة: العربية وغير العربية اليوم. كانت المرأة موضوع الاضطهاد ومن ذلك اتهامها بالسحر والشعوذة وتعذيبها لتعترف وتعدم بالسيف أو بالنار "بدلالات" منافية للعقل. ومن ذلك ففي 21 كانون الثاني في العام 1629 شاهد ثلاثة من الأعضاء في مجلس مدينة ليونبيرغ واثنان من المواطنين السيّاف يعذب أرملة مسنة اسمها ماجاريثا فريش المقيمة في بيت للمرضى والمسنين بتهمة السحر لأنها لم تعترف في البداية بأي تهمة كما بدت جاهلة تماماً بأمور الدين. ولكنها عندما خضعت للتعذيب الشنيع اعترفت في المساء أنها التقت بالروح الشريرة أو الشيطان قبل عشرين سنة في أثناء جمعها للحطب من الغابة، وأنها مارست الجنس معه في وسط الغابة عدة مرات مع ان زوجها حي، وأنها كانت ترقص معه واقفاً على قدميه التي تشبه أقدام الماعز، وأنه طلب منها إيذاء عدة أفراد وأن لا تعبد الله. وقد وعدها كاسبول عشيقها الشيطاني هذا بالثروة وبتجارة ناجحة وطعام وشراب جيدين وأعطاها مرهماً لوضعه على عصا طويلة من أجل أن تطير، وقد توقفت عن الطيران عندما استهلكت المرهم.
ومن التهم التي كانت موجهة إليها صفعها بغضب لوجه خادمة مرتين سرعان ما أصابها عجز عن العمل. كما لطمت بقرة متعجبة من جمالها سرعان ما عانت من ألم غير عادي. كما شجعت حارس السجن على إطعام خنزيره الطعام الذي تركته، وأن الخنزير سرعان ما عانى من أعراض غريبة. ومع أن الحيوانين شفيا فيما بعد، إلا أن الخادمة بقيت عاجزة عن العمل لمدة طويلة.
وجدت المحكمة بعد قراءة اعترافها أنها عنيدة وشريرة وأنها يجب أن تحاكم وتعدم لكنها ماتت بالسجن قبل أن يتم ذلك. لم يهتم احد بمصير ماجاريثا حتى ابنها وأختها لأنه كان لدى الجيران والناس شكوك حولها لسنوات خلت، فقد كان الناس يخفون أطفالهم عن عينيها إذا قامت بزيارتهم كيلا تؤذيهم باللمس أو بالعين. ومع أن المسكينة كانت تشكو من هذه الإشاعات أو الاتهامات إلا أن أحداً لم يعرها اهتماماً.
عندما كان الشاهد يتقدم ليشهد كانت المحكمة تقول له: "إذا ثبت أن شهادتك كاذبة فإنك ستدفع كل تكاليف الدعوى، وستتعرض لغضب الله الكبير في الحياة الآخرة وأن روحك ستذهب إلى الشيطان بعد موتك".

التعليق