غياب القيادة العالمية

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الصيني شي جين بينغ والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل– (أرشيفية)

خافيير سولانا*

مدريد- تعد ألمانيا والصين من أكبر الدول التي أثارت سياساتُها الاقتصادية غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي حين أن لدى الولايات المتحدة أكبر عجز في الحساب الجاري في العالم، تجني ألمانيا والصين أكبر الفوائض، مما يزعج ترامب ومستشاريه بشكل كبير.
ويصر كبير مستشاري التجارة في إدارة ترامب، بيتر نافارو، على أن الصين تقوم بتلفيق قيمة عملتها الرنمينبي. ومن المستغرب أن نافارو اتهم ألمانيا، حليفة أميركا، "باستغلال" الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين من خلال اليورو الرخيص. ويتفق معظم الاقتصاديين على أن اتهامات نافارو لا أساس لها من الصحة. ولدى ترامب نفسه موقف متقلب بشأن هذه القضايا، والذي يتناقض مع نافارو في بعض الأحيان، رغم أنه ما يزال يشك في سياسات الشركاء التجاريين الأميركيين عموماً.
منذ انتخاب ترامب رئيساً العام الماضي، أصبحت ألمانيا والصين من بين الدول التي من المتوقع أن تحل محل القيادة العالمية الأميركية. لكن ألمانيا والصين تختلفان اختلافاً عميقاً، ولا يوجد اتفاق حول ما إذا كان بإمكان أي من البلدين أن يأخذ مكان أميركا.
في حال وقوع أزمة، ستعمل كل من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الصيني شي جين بينغ على ربط الأحداث السياسية الداخلية التي من المتوقع أن تعزز مناصب قيادية في الأعوام القادمة. وفي ألمانيا، تفضل ميركل الفوز بفترة ولاية رابعة كمستشارة في الانتخابات الفدرالية المقبلة في 24 أيلول (سبتمبر). وستحقق الفوز على غرار فترة هلموت كول التي قضاها في منصبه، والتي دامت 16 عاماً، وهي فترة لم يتجاوزها سوى أوتو فون بسمارك.
ركزت مناقشات مواسم الحملات في ألمانيا على سياسة "الأبواب المفتوحة" التي تتبعها ميركل استجابة لأزمة اللاجئين في العام 2015. وأدى ترحيب ميركل باللاجئين إلى تعرضها لهجمات شرسة –حتى من ترامب نفسه- وحفز اليمين الألماني المتطرف، الذي سيقوم من خلال حزب البديل لألمانيا بانتخاب ممثلي البوندستاغ للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. ولحسن حظ ميركل، لا يبدو أن الدفاع الحازم عن القيم الإنسانية قد سلبها دعم أولئك الذين صوتوا لها في السابق. وقد واجهت وحزبها، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، رد فعل عنيف في صناديق الاقتراع وانتخابات الولايات بعد صيف العام 2015، ولكن هذه العاصفة هدأت. وفي الواقع، عززت سياسة ميركل للاجئين شعبيتها بين الناخبين الشباب.
في نهاية القرن العشرين، كانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت قد وصفت الولايات المتحدة بأنها "الوطن الأساسي". والآن، بعد ما يقرب من 20 عاماً، اعتبرت مجلة الإيكونوميست ميركل "الأوروبية الأساسية". ولكن، وكما حذرت ميركل، سيكون من "الغريب" أن نتوقع تحملها معيار الليبرالية الدولية.
لم تعلن ألمانيا بعد، بسبب تاريخها، عن استعادة دور قيادي على الساحة العالمية. لكن ميركل تستطيع إعلان ذلك على المستوى الأوروبي، وينبغي أن تستخدم فترة رابعة لإنشاء إرث دولي يقيس مكانتها السياسية. وفي حال انتخابها، ومع شريك محتمل كالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ستتاح لها فرصة كبيرة لمتابعة التدابير الرامية إلى إعادة التوازن وتعزيز الاتحاد الأوروبي.
في الوقت نفسه، سيكون إرث شي هو أيضاً على المحك. وفي شهر تشرين الأول (أكتوبر)، ستجتمع النخبة السياسية الصينية في المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، وهو حدث سيتركز حتماً على شي. واعتباراً من العام الماضي، تم إعلان شي رسمياً "الزعيم الأساسي" للحزب الشيوعي الصيني، وهو لقب لم يحققه سلفه هو جين تاو.
في هذا المؤتمر، سيختار مندوبو الحزب لجنة مركزية جديدة تحتل بعد ذلك أعلى المناصب في الحزب. وينظر إلى إعادة انتخاب شي في منصب أمين العام الحزب الشيوعي الصيني على أنه أمر واقع، ويتوقع معظم المحللين أنه سيستمر في اختيار حلفاء مخلصين وإبعاد المنافسين المحتملين، كما فعل في السابق من خلال حملة مكافحة الفساد التي تم نشرها على نطاق واسع.
في العام 2015، أثار وانغ كيشان، الذراع اليمينية للرئيس شي، الذي كان يقود حملة مكافحة الفساد، مسألة "شرعية" الحزب الشيوعي الصيني في بيان كان سابقاً من المحرمات. ومع تباطؤ الاقتصاد الصيني في السنوات الأخيرة، أدرك الحزب الشيوعي الصيني أنه لم يعد قادراً على الاعتماد على النمو وحده لضمان مكانته السياسية بالنسبة  للشعب الصيني.
تشكل حملة شي لمكافحة الفساد عنصراً أساسياً في إعطاء مشروعية جديدة للحزب. كما عمل الحزب على تعزيز القومية من خلال سياسة خارجية واضحة للغاية وأكثر حزماً. ووفقاً لتقاليد الحزب الشيوعي الصيني، ينبغي أن تكون فترة شي الثانية لمدة خمس سنوات آخر فترة له. ولكننا لا نعرف ما إذا كان سيستخدم ولايته الجديدة المضمونة للعمل على إجراء إصلاحات اقتصادية طموحة. كما أن دوره داخل الصين بعد العام 2022 لم يُحسم بعد.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، أشار شي إلى أنه قد يكون مستعداً لملء الفراغ القيادي الناجم عن نهج ترامب "أميركا أولاً". ولكن الصين لا يمكن أن تأمل في الحلول محل الولايات المتحدة ما لم ترفع بشكل كبير من قدرة "القوة الناعمة" وتزرع التحالفات والشراكات التي تفتقر إليها حالياً. ولا يجعل تحفيز الحزب الشيوعي الصيني للقومية الصينية أياً من تلك المهام أسهل.
توحي أزمة كوريا الشمالية الحالية بأن العلاقات الأميركية الصينية خلال عهد ترامب وشي ستشهد منافسة استراتيجية شديدة. فهل ستتدخل أطراف فاعلة أخرى، مثل ميركل في ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي ككل، لضمان عدم تدهور تعاون القوى العظمى بشكل ميئوس منه؟ من المرجح أن تحدد الإجابة عن هذا السؤال ما إذا كان النظام الدولي سيحتفظ بأي نظام يمكن التحدث عنه في السنوات المقبلة.

*كان مفوض المتحدة الأعلى للسياستين الخارجية والأمنية، والأمين العام لحلف الناتو، ووزير خارجية أسبانيا. وهو الآن رئيس مركز "إيساد" للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية. وهو زميل مميز في معهد بروكينغز.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق